المربي المتميز
نحمد الله لكم ونرحب بكم في منتديات المربي المتميز ، منتديات التربية و التعليم بشار/الجزائر
تحيات صاحب المنتدى: الزبير بلمامون
يرجى التكرم بالدخول إن كنت واحدا من أعضائنا
أو التسجيل إن لم تكونوا كذلك وترغبون في الانضمام إلي أسرة منتدانا

شكرا ، لكم ، إدارة المنتدى
المواضيع الأخيرة
» برنامج حفظ أرقام الهاتف -= جزائري 100% =-
من طرف حميد سامي أمس في 10:35 pm

» الوضعيات التعلمية – التوظيف والإدماج في نشاط الرياضيات
من طرف بلمامون أمس في 4:03 pm

» الوضعيات التعلمية – التوظيف والإدماج في نشاط الرياضيات
من طرف بلمامون أمس في 4:03 pm

» وضعية الإدماج في اللغة العربية البناء والاستثمار
من طرف بلمامون أمس في 8:25 am

» وضعية الإدماج في اللغة العربية البناء والاستثمار
من طرف بلمامون أمس في 8:24 am

» 15 دراسة نص مصححة مع الوضعية الإدماجية
من طرف عباس يزيد الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 11:19 pm

» دليل المعلم الجديد للسنة الرابعة ابتدائي
من طرف بشيري خليفة الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 8:47 pm

» كيف تكون انطباعا ممتازا ومبهراً ؟
من طرف بلمامون الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 11:56 am

» تعلم الرياضيات
من طرف nourhene الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 10:59 am

» كل الدروس الخاصة بتكوين الأسياتذة المقبلين على اجتياز مسابقة الترقية إلى رتبة الأساتذة الرئيسيين
من طرف بلمامون الإثنين ديسمبر 05, 2016 9:07 am

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
بلمامون - 8480
 
محمود العمري - 4586
 
abdelouahed - 1648
 
ilyes70 - 1416
 
hamou666 - 902
 
متميز - 831
 
fayzi - 521
 
زكراوي بشير - 449
 
assem - 428
 
inas - 399
 


مفهوم المنهاج بحث مفصل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بلمامون
صاحب الموقع
صاحب الموقع
الجزائر
ذكر
عدد المساهمات : 8480
تاريخ التسجيل : 02/01/2010
http://belmamoune.ahlamontada.net

مُساهمةبلمامون في الخميس أبريل 08, 2010 5:07 pm

مفهوم المنهج Curriculum Concept إعداد: د . غازي مفلح ، جامعة أم القرى
مفهوم المنهج
Curriculum Concept
الأهداف :
يتوقّع من الدارس بعد الاطلاع أن يكون قادراً على :
- أن يعرّف كلاًّ من المنهج التقليديّ والمنهج الحديث .
- أن يوضّح أبرز الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ .
- أن يعدّد العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج .
- أن يبيّن مكوّنات المنهج بمفهومه الحديث .
- أن يقارن بين المنهج الحديث والمنهج التقليديّ من حيث الأهداف والمكوّنات ودور كلّ من المعلّم والمتعلّم .
- أن يشرح المنهج بوصفه نظاماً .
- أن يعرّف بعض المصطلحات المتعلّقة بالمنهج .
مفهوم المنهج
Curriculum Concept
مقدّمة :
تتواتر في الدراسات الإنسانيّة بعامّة , وفي الأدب التربويّ على وجه الخصوص كلمة منهج , ويختلف معنى هذه الكلمة بحسب السياق الذي ترد فيه , وأجمع كثير من الباحثين أنّ اليونان هم أوّل من استخدم هذه الكلمة , فهي تعني بأصل وضعها الإغريقيّ : " الطريقة التي يتّخذها الفرد , أو النهج Course الذي يجريه ليسرع به إلى تحقيق هدف معيّن , فالمريض مثلاً حين يستهدف الشفاء من مرضه يشرب الدواء بنظام معيّن , ويمتنع عن أكل بعض المطعومات , ويخضع للحقن بدواء يصفه الطبيب , وكلّ ذلك معناه منهج هذا المريض في الوصول إلى الشفاء " .
وفي لغتنا العربيّة نجد أنّ كلمة المنهج مأخوذة من الفعل نهج ينهج نهجاً , ورد في المعجم الوجيز ( مادّة نهج ) " نهج الطريقُ ـَ نهجاً : وضَح واستبان , ونهج الطريقَ : بيّنه , وسلكه , ويقال : نهج نهْج فلان : سلك مسلكه , وانتهج الطريقَ : استبانه وسلكه , واستنهج سبيل فلان : سلك مسلكه , والمِنْهاج : الطريق الواضح والخطّة المرسومة , ومنه : منهاج الدراسة , ومنهاج التعليم ونحوهما , (ج ) مناهج , والمنهج : المنهاج ( ج )مناهج . " .
وتعود كلمة منهج Curriculum في اللغات الأجنبيّة الحديثة إلى الكلمة اللاتينيّة Currere " وتعني ( حلبة السباق ) التي يتنافس فيها المتنافسون للوصول إلى نقطة الفوز , فإذا ما نظرنا إلى منهج أي مؤسّسة تعليميّة نجده بأنّه عبارة عن مجموعة من الخطط والنظم التي تؤلّف وحدة كبيرة تهدف إلى نقل التلميذ من محطّة إلى أخرى عبر سلسلة من الإرشادات والمعارف والمهارات التي تفيده في حياته في المستقبل , وفي داخل المؤسّسة التعليميّة نجد التلاميذ يتنافسون من أجل النجاح والتفوّق في الموادّ الدراسيّة 0" .
وقد تطوّر مفهوم المنهج في قواميس اللغة الأجنبيّة بشكل مستمرّ , فقد كانت كلمة منهج Curriculum تعني المنهج الخاصّ بالجامعة , وبهذا المعنى وردت هذه الكلمة لأوّل مرّة في قاموس ( وبستر ) طبعة عام 1856 , وفي عام 1966وردت كلمة Curriculum في قاموس ( بانكروفت ) بمعنى " سلسلة منظّمة من الدروس أعدّت للدراسة "
أمّا في الطبعة الثالثة من قاموس التربية Dictionary of Education لجود Good عام 1973 , فقد وردت لكلمة المنهج Curriculum ثلاثة تعريفات هي :
" 1- مجموعة من المقرّرات , أو الموادّ الدراسيّة التي تلزم للتخرّج , أو الحصول على درجة علميّة في ميدان رئيس من ميادين الدراسة , مثل منهج الموادّ الاجتماعيّة , أو منهج الرياضيّات .
2- خطّة عامّة شاملة للمواد التي ينبغي أن يدرسها التلميذ في المدرسة ؛ ليحصل على درجة علميّة ( شهادة ) تؤهّله للعمل بمهنة أو حرفة .
3- مجموعة من المقرّرات والخبرات التي يكتسبها التلميذ في المدرسة أو الكليّة " .
وبذلك أصبح المنهج يعني الخبرات التي تقدّمها المدرسة لطلاّبها للوصول إلى الأهداف التربويّة , ونظراً لاختلاف الأهداف التربويّة على مرّ العصور تبعاً لاختلاف الفلسفات السائدة , فقد تغيّرت دلالة المنهج وتطوّرت وفق تغيّر هذه الأهداف وتطوّرها , غير أنّنا يمكن أن نميّز نوعين من معاني المنهج , الأوّل ويدلّ على المنهج بمفهومه التقليديّ , و الثاني , ويدلّ على المنهج بمفهومه الحديث .
المفهوم التقليديّ للمنهج :
تتأثّر المناهج التربويّة في أيّ مكان وزمان بالفلسفة السائدة في المجتمع ؛ فهي التي تحدّد معنى المنهج ومفهومه , فقد كانت الفلسفة الإغريقيّة توجّه التربية إلى وضع مناهج تسهم في إعداد الطفل للمستقبل لتحقيق أهداف تتسم بالثبات ؛ لأنّها – أي الأهداف التربويّة - تعبّر عن حقائق مطلقة لا يمكن مناقشتها , فالمناهج عندهم تغاير طبيعة الطفل , وتؤكّد أهميّة العلوم والفنون , وما على الطفل سوى تعلّمها – ولو باستخدام الشدّة - بغض النظر عن درجة صعوبتها أو مدى ملاءمتها ميول الطفل واهتماماته ؛ لأنّ هذه العلوم والفنون تستحقّ أن تعلّم لذاتها ؛ ولأنّها الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف التربويّة الساعية إلى الوصول بالطفل إلى إدراك الحقيقة المطلقة أو تغذية عقله , أو السمو بنفسه .
لقد مثّلت الفنون السبعة ( النحو والبلاغة والمنطق والحساب والهندسة والفلك والموسيقى ) محتوى المنهج الإغريقيّ , ثمّ أضيفت لهذه الفنون مع الزمن علوم أخرى كالتاريخ والجغرافية والعلوم والرسم والأشغال .
وقد ظلّت هذه الفلسفة سائدة في الأوساط التربويّة لمدّة طويلة طالت بدايات القرن العشرين , فكان المنهج في ظلّ هذه الفلسفة هو " مجموعة الموادّ الدراسيّة Subjects or Subject- Matter التي يتولّى المتخصّصون إعدادها أو تأليفها , ويقوم المعلّمون بتنفيذها أو تدريسها , ويعمل الطلاّب على تعلّمها أو دراستها " .
ونظر إليه بعضهم نظرة مشابهة , فقد ذكروا أنّ المنهج هو محتوى المقرّر الدراسيّ Content of the Subject-Matter , وبذلك نرى أنّ المنهج بمفهومه التقليديّ عبارة عن المقرّرات الدراسيّة ( أو محتواها ) التي أعدّها المتخصّصون – انطلاقاً من قناعتهم بضرورتها لتحقيق الأهداف التربويّة – وكلّف المعلّمون تدريسها بأيّ أسلوب يرونه مناسباً , وطلب إلى التلميذ استظهارها وإدراك حقائقها, دون أدنى اعتبار لاستعداداته وميوله .
وبذلك نستطيع أن نقول : إنّ المنهج بمفهومه التقليديّ اقتصر على المقرّرات الدراسيّة , والمعارف والمعلومات التي تتضمّنها تلك المقرّرات , ويوضّح الشكل الآتي المنهج بمفهومه التقليديّ الضيّق :
شكل رقم ( 1 ) : المنهج بمفهومه التقليديّ
إعداد المهج التقليديّ :
تتمّ عمليّة إعداد المنهج التقليديّ وفق الخطوات الآتية :
" 1- يقوم المتخصّصون بتحديد المعلومات اللازمة لكلّ مادّة دراسيّة .
2- توزّع معلومات كلّ مادّة على المراحل الدراسيّة , وعلى كلّ صفّ في كلّ مرحلة منها .
3- تجمع معلومات كلّ مادّة في كلّ صفّ ضمن كتاب مستقلّ , هو الكتاب المدرسيّ .
4- توزّع موضوعات كلّ مادّة في كلّ كتاب على أشهر العام الدراسيّ , وعلى أسابيع كلّ شهر .
5- تحدّد الطرائق والوسائل المساعدة على تدريس كلّ موضوع , في كلّ مادّة دراسيّة .
6- تحدّ أساليب تقويم كلّ مادّة دراسيّة في كلّ صفّ .
الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ :
أصبح مفهوم المنهج بمعناه التقليديّ الذي يتمثّل بالمقرّرات الدراسيّة لا يلبّي التوجّهات التربويّة الحديثة التي نقلت مركز الاهتمام التربويّ من المادّة الدراسيّة إلى المتعلّم , فتعرّض هذا المفهوم التقليديّ للمنهج لجملة من انتقادات التربويين المجدّدين , ومن بينها ما ذكره سرحان الذي يمكن إجمال أبرز انتقاداته بما يأتي :
" 1- اقتصار وظيفة المدرسة على الاهتمام بالجانب المعرفيّ :
اقتصرت وظيفة المدرسة على الاهتمام بالمعرفة , وأهملت جميع الجوانب النفسيّة والاجتماعيّة والفكريّة بمعناها الشامل , وقد ترتّب على ذلك في كثير من الأحيان أنّ التلاميذ كانوا يدرسون المادّة , ويحفظونها , ولكنّهم يبغضونها في الوقت نفسه ؛ وبذلك فإنّ صلتهم بما كانوا يدرسونه كانت صلة موقوتة , تنتهي بانتهاء الدراسة , وحصولهم على الشهادة ؛ وكانوا يرتدّون إلى الأميّة في مجال دراستهم بعد فترة من الزمن بسبب النسيان من جهة , وعدم القدرة على ملاحقة التطوّرات السريعة في مجال العلم والثقافة من جهة أخرى , كما ترتّب على ذلك أيضاً أنّ المعرفة التي كان التلاميذ يحصّلونها كانت من النوع الهامد الميت الذي لا يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه أو بيئته أو حياته , ولا يعدّل سلوكه , فإذا تذكّرنا أنّ التربية الحقّة إنّما تستهدف تعديل سلوك الإنسان في الاتّجاهات المطلوبة , فإننا نستطيع أن نرى مدى إخفاق التربية التي تسير وفق هذا المفهوم الضيّق للمنهج في تحقيق رسالتها الكبرى , وهي بناء الشخصيّة , وتوجيه السلوك , وبناء أجيال جديدة من البشر يقودون مسيرة الحياة . 2- العزلة بين المدرسة والحياة :
لقد أدّى الأخذ بهذا المفهوم الضيّق للمنهج إلى عزلة كبيرة بين المدرسة والحياة , فالمدرسة غارقة في اهتمامها بتحفيظ ما في الكتب من معلومات قلّما ترتبط بحياة التلاميذ ارتباطاً وثيقاً , والمدرسة لا تعدّ للحياة بجميع ما تتطلّبه من مهارات واتّصالات , وقدرة على تحمّل المسؤوليّات , وحلّ المشكلات , والمشاركة فمجالات التقدّم والإنماء .
4- إهمال الجوانب الأدائيّة والعمليّة والتطبيقيّة :
ركّز المنهج بمفهومه الضيّق على الجوانب النظريّة واللفظيّة , واتّخذ الامتحانات بصورتها التقليديّة وسيلة لتحديد مدى ما اكتسبه التلاميذ من المعرفة , وقد أدّى كلّ ذلك إلى إهمال النواحي العمليّة والتطبيقيّة , واقتصر تحصيل التلاميذ للمعرفة على أدنى مستوياتها وهو مستوى الحفظ والاسترجاع الآليّ , أمّا المستويات العليا من المعرفة , وهي الفهم والتطبيق والممارسة الذكيّة والنقد والابتكار والإبداع , فلم تكن تدخل في نطاق أهداف المدرسة القديمة .
5- تقييد حريّة المعلّم :
لقد أدّى الأخذ بالمفهوم الضيّق للمنهج إلى تقييد حريّة المعلّم , ذلك أنّه لا يستطيع أن يتحرّك إلاّ في مجال محدود , وهو مجال شرح الدروس وتحفيظها وتسميعها ؛ وبذلك أغلقت مجالات الاجتهاد والابتكار أمامه , ذلك أنّ الاجتهاد والابتكار إنّما يتجلّى في أروع صوره عندما تتعدّد الأهداف أمام المعلّم , بحيث يستطيع أن يبتكر الطرائق والأساليب لتوجيه الميول , وتنمية المواهب والاستعدادات , ورعاية القدرات
الابتكاريّة لدى التلاميذ , وتدريبهم على المهارات المنشودة , والإسهام في تقويم شخصيّاتهم , وتوجيه سلوكهم , وتحقيق أقصى ما تبلغه إمكاناتهم " .
وذكر الخليفة إضافة إلى الانتقادات السابقة انتقادات أخرى نتبعها إلى ما سبق , منها :
6- إهمال حاجات المتعلّمين وميولهم :
" أهمل المنهج التقليديّ حاجات المتعلّمين وميولهم , وما بينهم من فروق فرديّة متعدّدة , فما على الطلاّب إلاّ أن يدرسوا المادّة الدراسيّة المفروضة عليهم , ويحفظونها .
7- إغفال دور القدوة الحسنة في توجيه السلوك :
أغفل هذا المنهج دور القدوة الحسنة والقيم التربويّة في توجيه السلوك ؛ إذ يعتقد أنصاره أنّ تزويد المتعلّمين بالمعارف يكفي وحده لتوجيه سلوكهم بما يتّفق وتلك المعارف , وقد ثبت خطأ هذا الاعتقاد ؛ فالفرد لا يسلك في جميع الحالات وفقاً لعلمه ومعرفته .
8- حصر اختيار محتوى المنهج بالمتخصّصين فحسب :
اقتصر اختيار محتوى المادّة الدراسيّة وتنظيمها في كتب مدرسيّة على المتخصّصين والخبراء , الذين لا يأخذون في حسبانهم وجهة نظر المعلّمين والتلاميذ , ممّا كان له أكبر الأثر في ضعف حماسة المعلّمين للتدريس , وعزوف التلاميذ عن الدروس .
9-استبعاد الأنشطة المدرسيّة :
استبعد المعلّمون – في ظلّ المنهج التقليديّ – معظم الأنشطة المدرسيّة غير الصفّيّة , بل عدّوها مضيعة للوقت , صارفة عن الحفظ الذي يترتّب عليه النجاح في الامتحانات , وهو الهدف الأسمى للتقويم في مفهوم المنهج التقليديّ " .
وأضاف الشريفيّ وأحمد جملة من الانتقادات , ولا سيّما تلك التي تتعلّق بالتلميذ والمادّة الدراسيّة , ويمكن إضافتها إلى الانتقادات السابقة , وهي :
" 10- تعويد التلاميذ السلبيّة وعدم الاعتماد على النفس :
يقوم كلّ معلّم بشرح موضوعات مادّته وتبسيطها , وعلى التلميذ أن يسمع ويستوعب ما يقوله المعلّم , وما تتضمّنه الكتب , ومن ثمّ فدور التلميذ داخل الفصل الإنصات والإصغاء والخضوع التامّ والسلبيّة المطلقة , ومن هنا نشأ التلميذ وهو معتمد على المعلّم والكتاب , وبالتالي بدأ يتعوّد السلبيّة , وعدم الاعتماد على النفس .
11- تضخّم المقرّرات الدراسيّة :
نتيجة للزيادة المستمرّة في المعرفة بشتّى جوانبها, , ونتيجة لاهتمام كلّ متخصّص بالمادّة التي اختصّ بها فقط , فقد اهتمّ مؤلّفو الموادّ الدراسيّة بإدخال الإضافات المستمرّة عليها , حتّى تضخّمت , وأصبحت عبئاً ثقيلاً على المعلّم والتلميذ , فاهتمّ الأوّل بالشرح والتلخيص , واهتمّ الثاني بالحفظ والترديد , وضاعت الأهداف التربويّة المنشودة في زحام المعلومات المتزايدة .
12- عدم ترابط الموادّ :
أدّى اهتمام كلّ معلّم بالمادّة التي يقوم بتدريسها إلى خلق حاجز قويّ بين الموادّ الدراسيّة , وبالتالي لم يعد بينها ترابط أو تكامل , فإذا سأل التلميذ معلّمه عن معلومة معيّنة , أجاب المعلّم : إنّ إجابة هذا السؤال تخصّ معلّم مادّة أخرى ." .
وفي نهاية حديثنا عن هذه الانتقادات , يمكن أن نصنّفها وفق الجدول الآتي :
عناصر العمليّة التعليميّة النقد الموجّه إلى المنهج التقليديّ
التلميذ - التركيز على تنمية الجانب العقليّ , وإهمال جوانب النمو المختلفة.
- إهمال حاجات التلميذ وميوله ورغباته .
- إهمال مراعاة الفروق الفرديّة بين المتعلّمين .
- إهمال توجيه السلوك , وتكوين المهارات والاتّجاهات الإيجابيّة , وإغفال دور القدوة الحسنة في ذلك.
- تعويد التلميذ السلبيّة , وعدم الاهتمام أو الشعور بالمسؤوليّة.
- نفور التلميذ من الجوّ المدرسيّ , وشعوره بالملل ؛ بسبب عدم جذب اهتمامه داخل الصفّ , وفي باحة المدرسة .
- قطع التلميذ عن مشكلات بيئته .
المعلّم - تقييد حريّة المعلّم , وحرمانه من الإبداع والابتكار .
- التقليل من شأنه , وعد أخذ رأيه فيما يدرّسه .
- تحميل المعلّم جهداً كبيراً بسبب الاعتماد عليه بشكل كلّيّ في الشرح والتسميع والمتابعة والتقويم .
- شعور المعلّم بالقلق وعدم الطمأنينة نظراً لأساليب تقويمه المعتمدة على التفتيش , وتسقّط الأغلاط .
المادّة الدراسيّة - تضخّم المادّة الدراسيّة , وتضخّم المشكلات المترتّبة على ذلك , والتي تقع على كاهل كلّ من التلميذ والمعلّم وولي الأمر .
- الانفصال التامّ بين الموادّ , وعدم التكامل فيما بينها , ناهيك عن عدم التكامل بين أفرع المادّة الواحدة .
- الاهتمام بالجانب النظريّ , وإغفال الجوانب التطبيقيّة للمادّة .
- عدم ارتباط المادّة بالحياة , وبالتالي انخفاض درجة الإقبال على تعلّمها , وسرعة نسيانها بسبب عدم توظيفها في حلّ مشكلات المتعلّم .
أساليب التقويم - التركيز على تقويم المستويات الدنيا من المجال المعرفيّ ( الحفظ والاسترجاع ) .
- الاقتصار على الأسئلة المقاليّة .
- الشعور بالخوف والقلق والرهبة من أجواء الامتحانات.
الجوّ المدرسيّ العامّ - الابتعاد عن العلاقة الإنسانيّة الجاذبة ,ولا سيّما بين المعلّم الذي يسعى إلى إفراغ ما لديه من معلومات بأيّ وسيلة, والتلميذ المكره على تعلّم معلومات لا تلبّي اهتمامه , وشيوع ظواهر سلبيّة في تلك العلاقة , ومنها ظاهرة العقاب الجسديّ .
- ابتعاد الجوّ المدرسيّ عن كلّ ما يجذب التلميذ ؛ ولذلك ظهور ما يعرّف بالتسرّب المدرسيّ على نطاق واسع , والارتداد إلى الأميّة .
- خلو الحياة المدرسيّة من الأنشطة المنهجيّة , والترويحيّة .
البيئة المحليّة - الفصل التامّ بين المدرسة والبيئة المحليّة .
- عدم تلبية مخرجات التعليم في ظلّ المنهج التقليديّ لحاجات سوق العمل المحليّة .
المنهج بمفهومه الوسع ( الحديث )
الإرهاصات :
رأينا أنّ المناهج في ظلّ المدرسة التقليديّة ركّزت على المادّة التعليميّة , وأهملت المتعلّم , ولم تعر بالاً لميوله ورغباته وغرائزه واهتماماته , كما أنّه لم تفسح المجال أمامه لاكتساب القيم المرغوب فيها , وصقل المهارات التي يحتاج إليها لتلبية احتياجاته , وحلّ مشكلاته , ولم تعمل على تفتّق مواهبه المختلفة , وطاقاته الكامنة ورعايتها في مختلف الجوانب , ولا سيّما الفنيّة منها , والرياضيّة , والأدبيّة ؛ وذلك من خلال وقوفها في وجه الأنشطة المدرسيّة , وعدّها نوعاً من الفوضى ومضيعة الوقت . أو أنّها ثانويّة في أحسن الأحوال .
لقد حدث التطوّر التربويّ بفعل الأفكار التجديديّة التي طرحها التربويّون المتنوّرون , فقد نادى ( روسو ) بضرورة تفاعل الطفل مع الطبيعة , وعدّها أفضل من معلّم , فهي التي تكسبه المعرفة , وهي التي تجعله قادراً على استخدام عقله لمواجهة مشكلاته وحلّها .
أمّا المربّي ( جون ديويّ ) قد أشار في كتابه [ المدرسة والمجتمع ] إلى سلبيّات الحياة المدرسيّة في ظلّ المنهج القديم والتربية التقليديّة , ولخّصها بأنّه وضعت كلاًّ من المعلّم المادّة في مركز جاذبيّة العمليّة التربويّة , بينما بقس المتعلّم خارج دائرة هذه الجاذبيّة .
لقد نقلت التربية الحديثة الطفل من هامش العمليّة التربويّة إلى مركزها , فأحدثت بذلك ثورة تربويّة أدّت إلى تطوير العمليّة التربويّة برمّتها , تماماً كما أحدث كوبرنيكوس ثورة علميّة بنقله مركز الجاذبيّة من الأرض إلى الشمس. أسهب في ذلك في وصف واقع المدرسة القديمة قائلاً:
وتوالت الدعوات من قبل العلماء والمفكرين ؛ لإعادة النظر في المناهج الدراسية والتربوية من أجل تحويل المدرسة إلى صورة مصغرة من المجتمع مع شيء من التهذيب , وبما يتناسب والأهداف التربويّة الموضوعة ؛ لكي يمارس التلاميذ حياتهم الفعلية والطبيعيّة فيها ، ويستنبطوا الحقائق , ويتوصّلوا إلى التعميمات بأنفسهم ، ويكتسبوا القيم والاتّجاهات والمهارات بتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة والبيئة المحليّة ؛ وليصبح الكتاب والمعّلم مصدرين من مصادر التعلّم , وليسا المصدرين الوحيدين .
لقد أصبحت المدرسة حياة قائمة بذاتها في جدّها ولعبها وتفاعلاتها , وعاش المتعلّم طفولته من أجل مستقبله , وأصبحت الوظيفة التقليديّة للمدرسة بأنّها إعداد للحياة متخلّفة وقاصرة .
وكان لابدّ للتربية من مفهوم جديد للمنهج المدرسيّ ينسجم والتوجّهات التربويّة الحديثة , ومن هنا كانت ولادة المفهوم الحديث الواسع .
المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
وردت في كتب المناهج تعريفات عديدة للمنهج بمفهومه الحديث , وجاءت هذه التعريفات متقاربة إلى حدّ بعيد , بل نستطيع القول إنّ بعضها كان متطابقاً , فهو "مجموعة الخبرات التربويّة , والاجتماعيّة , والثقافيّة , والرياضيّة , والفنّيّة التي تخطّطها المدرسة , وتهيّئها لتلاميذها ؛ ليقوموا بتعلّمها داخل المدرسة أو خارجها بهدف إكسابهم أنماطاً من السلوك أو تعديل أو تغيير أنماط أخرى من السلوك نحو الاتّجاه المرغوب فيه , ومن خلال ممارستهم لجميع الأنشطة اللازمة والمصاحبة لتعلّم تلك الخبرات بما يساعدهم في إتمام نموّهم " .
وهو " مجموع الخبرات التربويّة ( الثقافيّة والرياضيّة والاجتماعيّة والفنّيّة التي تهيئها المدرسة لتلاميذها داخل المدرسة وخارجها بقصد مساعدتهم على النموّ الشامل في جميع النواحي الجسميّة والعقليّة والاجتماعيّة والانفعاليّة , وتعديل سلوكهم طبقاً لأهدافها التربويّة " .
وهو " كلّ الخبرات , أو الأنشطة ,أو الممارسات المخططة والهادفة التي توفرها المدرسة لمساعدة المتعلّمين على تحقيق النتاجات التعليميّة المنشودة بأفضل ما تستطيعه قدراتهم سواء كان ذلك داخل قاعة الدرس أو خارجها."
وذكر الخليفة بأنّ المنهج هو " مجموعة من الخبرات والأنشطة التي تقدّمها المدرسة للتلاميذ داخلها وخارجها , بقصد مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل , الذي يؤدّي إلى تعديل سلوكهم , ويضمن تفاعلهم مع بيئتهم ومجتمعهم , ويجعلهم يبتكرون حلولاً مناسبة لما يوجههم من مشكلات " .
وبذلك فإنّ المفهوم الحديث للمنهج يتّصف بالخصائص الآتية :
1. يشتمل المنهج الحديث على جميع الخبرات والأنشطة الصفيّة وغير الصفيّة التي تقدّمها المدرسة , وتشرف على تنظيمها ؛ من أجل تحقيق أهداف محدّدة تشتمل تنمية المتعلّم من مختلف النواحي , وإكسابه المهارات الضروريّة لمجابهة تحدّيات الحياة , وزرع القيم والاتّجاهات الإيجابيّة نحو ذاته , ونحو الآخرين , ونحو العالم برمّته , والعمل على تعديل سلوكه بما يتوافق والمعرف والمهارات والقيم المكتسبة .
2. العمل التشاركيّ في إعداده , فمن الواضح أنّ تلك الخبرات المتنوّعة التي يشتمل عليها المنهج الحديث لا تستطيع جهة واحدة بعينها إعدادها واختيارها ؛ ولذلك يشترك في وضع تلك الخبرات عدد كبير من الأكاديميين والتربويين والمعلّمين من مختلف التخصّصات , ورجال الفكر والسياسة, وأرباب العمل والاقتصاد , إضافة إلى عينة من الفئة التي يستهدفها المنهج , وبعض أولياء الأمور من ذوي الثقافات المختلفة والمتفاوتة , وبذلك فإنّ المنهج الحديث يعدّ بأسلوب تشاركيّ تعاونيّ من الجهات التي يعنيها الأمر كافّة , وبشكل يحقّق التوازن والتكامل بين الخبرات .
3. يستند المنهج الحديث إلى رؤية واضحة تراعي الفلسفة التربويّة السائدة , وما أكّدته العلوم النفسيّة , ونظريّات التعلّم ؛ وما يناسب منها لكلّ فئة عمريّة , وما أثبتته الدراسات الرصينة في مجالي التعلّم والتعليم ؛ لتحقيق أفضل نموّ متكامل للمتعلّم , وذلك من خلال تنويع الطرائق والأساليب التدريسيّة والتقويميّة , ومراعاة الفروق الفرديّة , وتوفير بيئة تعليميّة تعلّميّة آمنة وجاذبة .
4. يسعى المنهج الحديث إلى توظيف المبتكرات العلميّة لتحقيق أهدافه , ولا سيّما تلك المبتكرات المتعلّقة بتكنولوجيا التعليم , ومصادر التعلّم الحديثة , واستغلال شبكة الاتّصالات الدوليّة للحصول على أحدث ما يستجدّ في مجال العلوم التربويّة والنفسيّة والأكاديميّة .
5. يعمل المنهج الحديث على مراعاة المجتمع وقيمه, وتعزيز قيمه وثقافته , وتلبية حاجاته , من خلال ربط مخرجات التعليم بمتطلّبات سوق العمل , ولذلك تنفتح المدرسة على البيئة لتعرّف ما يتوافر فيها من مصادر إضافيّة للتعلّم , وما تواجهه من تحدّيات ومشكلات , وما تزخر به من قيم وتوجّهات , فتفيد المدرسة من البيئة , وفي الوقت نفسه تعمل على إمدادها بمخرجات بشريّة يسهمون في تطويرها , وحلّ مشكلاتها , وإحداث التغيير الإيجابيّ فيها , وهذا ما يؤكّد الصفة الاجتماعيّة للمنهج الحديث .
6. يؤكّد المنهج الحديث ضرورة العمل الجماعيّ التعاونيّ المشترك , ويقدّر الإبداع الفرديّ ؛ ويعمل على إكساب المتعلّم مهارات جديدة تتعلّق بالتعلّم الجماعيّ , والتعلّم ضمن الفريق , والتعلّم الذاتيّ , كما يعمل على إكساب المتعلّم قيم قبول الآخر واحترام رأيه , وتقبّل النقد , والعمل الشوريّ الديمقراطيّ , والاعتماد على الذات , وتحمّل المسؤوليّة , واحترام العمل اليدويّ .
7. يعمل المنهج الحديث على ربط ما هو نظريّ بما هو تطبيقيّ , من خلال النشاط المدرسيّ الهادف ؛ وذلك من أجل تعزيز الخبرات , وتحويلها إلى خبرات مربّية .
8. يهتمّ المنهج الحديث بمختلف مستويات المجال المعرفيّ , ويركّز على المستويات العليا للمعرفة , ومهارات التفكير العلميّ والناقد والإبداعيّ ؛ للانتقال بالمتعلّم من الاهتمام بواقع المعرفة وبنيتها إلى الاهتمام بطريقة البحث في هذه البنية من أجل تطويرها .
العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج :
1. التغيّرات الثقافيّة والاجتماعيّة الناتجة عن التطوّر العلميّ والتكنولوجيّ, وما ترتّب عليها من تغيّرات في القيم والمفاهيم والاتّجاهات والنظرة إلى الحياة والإنسان .
2. التغير الذي طرأ على أهداف التربية نتيجة التغيّرات السابقة , وما استتبع ذلك من تغيّر النظرة إلى وظيفة المدرسة, وضرورة مواكبتها التطوّرات التي حصلت في ميادين العلوم المختلفة , ولا سيّما ميدان علم النفس والعلوم التربويّة والاجتماعيّة , وتلبيتها حاجات المجتمع إلى القوى البشريّة القادرة على النهوض به , والوفاء بأهدافه .
3. نتائج البحوث والدراسات التربويّة التي سلّطت الضوء على نواحي القصور في المنهج التقليديّ , وأوصت بتطويره والأخذ بالمفهوم الواسع للمنهج .
4. نتائج البحوث والدراسات التي تناولت المتعلّم , وخصائص نموّه , ومتطلّبات كلّ مرحلة من مراحل هذا النموّ , وحاجاته وميوله , وسيكولوجيّة تعلّمه , وطبيعة عمليّة التعلّم ذاتها , والنظريّات التي تناولتها , كلّ ذلك أدّى إلى إعادة النظر بأهداف المنهج الدراسيّ , ومكوّناته الأخرى محتوى , وطرائق , ووسائل , وأنشطة , وأساليب تقويم , فلم يعد المنهج التقليدي الذي يهدف إلى تنمية الجانب المعرفيّ قادراً على تنمية المتعلّم تنمية شاملة متكاملة , تلك التنمية التي دعت إليها التربية الحديثة , وأصبح من الضروريّ إعادة النظر بالمنهج المدرسيّ , والانتقال به من المفهوم التقليديّ الضيّق إلى مفهوم حديث أرحب وأوسع وأشمل .
5. طبيعة المنهج التربويّ نفسه, فهو انعكاس للواقع الفكريّ والاجتماعيّ السائد في البيئة والمجتمع ؛ وبالتالي فمن الطبيعيّ أن يأخذ المنهج التربويّ التغيّرات الحاصلة في الحسبان , ويسعى إلى تحقيق الأهداف المستحدثة في المجتمع نتيجة التحوّلات الثقافيّة والفكريّة , وليس المنهج تابعاً للمجتمع فحسب , بل هو عامل تغيير وتطوير مستمرّ له , وبالتالي فهو المحرّض والمهيّئ لعمليّة التغيير الاجتماعيّ ؛ بحيث يتيح للمجتمع توظيف المستجدّات العالميّة لصالحه , ولا سيّما في عصر أصبح العالم فيه قرية صغيرة , فالعلاقة بين المنهج والمجتمع علاقة تفاعليّة متبادلة ومستمرّة .
مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع :
لم يقتصر المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) على المقرّرات الدراسيّة فحسب , كما كان المنهج التقليديّ الضيّق , بل اشتمل على كلّ ما له علاقة بالعمليّة التعليميّة التعلّميّة , فهو يشتمل على مكوّنات عديدة هي : الأهداف , المقرّر , المحتوى , الكتب والمراجع , النشاطات , طرائق التدريس وأساليبه , الوسائل والموادّ التعليميّة , أساليب التقويم , المرافق المدرسيّة , وسنتطرّق إلى هذه المكوّنات عند حديثنا عن مكوّنات المنهج , والشكل الآتي يوضّح مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
المنهج بوصفه منظومة أو نظاماً System :
لم يعرف المنهج على أنّه علم ومجال للدراسة إلاّ في بداية القرن الماضي ( القرن العشرين ) " حيث تتابعت النظريّات والاجتهادات التربويّة في سبيل تطوير المنهج , وإيجاد نظام له , ونتيجة لتلك الجهود التربويّة برز لدينا نظام يكاد يكون هو السائد في مجتمع العصر الحاضر , ويتمثّل هذا النظام للمنهج في مدخلات وعمليّات ومخرجات وتغذية راجعة "
وقد انتقل مفهوم النظام من العلوم البيولوجيّة التي اهتمّت بجسم الكائن الحيّ , وما يتضمّنه من أجهزة أو أنظمة مفردها نظام System ( النظام الهضميّ , النظام الدوريّ , النظام التنفّسيّ , النظام الإخراجيّ , النظام العصبيّ إلخ ....) إلى العلوم التربويّة , " والأساس في مصطلح النظام أنّه يتكوّن من مجموعة من الأجزاء أو المكوّنات التي ترتبط فيما بينها ارتباطاً عضويّاً وثيقاً بحيث يؤثّر كلّ منها في غيره , ويتأثّر به " .
ومصلح النظام في المنهج يعني أنّه يتشكّل من مجموعة من العناصر أو المكوّنات المترابطة المتشابكة المتفاعلة فيما بينها ( الأهداف , المحتوى , الطرائق , الوسائل , الأنشطة , أساليب التقويم إلخ .... ) , بحيث يؤثّر كلّ مكوّن في بقيّة المكوّنات ويتأثّر بها .
إن الأخذ بالمدخل المنظوميّ في علم المنهج لا يقتصر على حتميّة الترابط والتكامل والتشابك بين مكوّنات منظومة المنهج , والتي يشكّل كلّ منها نظاماً أصغر ضمن منظومة المنهج , وإنّما يتجاوز ذلك إلى تبادل العلاقة والتأثّر والتأثير بين منظومة المنهج ككلّ , والمنظومات الأخرى الأكبر ذات الصلة , فالمنهج كنظام هو مكوّن واحد من نظام آخر أكبر هو التربية , والتربية بدورها مكوّن من نظام أكبر هو المجتمع , وهكذا ...
وبذلك يتّضح أنّ المنظومة دائمة التفاعل والتأثّر والتأثير بين المنظومات الأصغر التي تنضوي في بنيتها , والمنظومات الأكبر التي هي جزء من شبكتها وبنيتها .
ويوضّح الشكل الآتي موقع منظومة المنهج من المنظومات الأخرى الأكبر :
--------------------------------------------------
ولا تكمن أهميّة المنظومة من المكوّنات والعناصر التي تتشكّل منها , وإنّما تكمن أهميّتها في مدى تفاعل هذه المكوّنات فيما بينها للوصول إلى نتاجات ذات معايير حدّدت سلفاً في الأهداف التي يتوخّى تحقيقها من تفاعل هذه المكوّنات , ومن هنا يمكن تشبيه المنظومة بمعمل أقيم لإنتاج مادّة معيّنة , ذات مواصفات ومعايير محدّدة , ثمّ زوّد هذا المعمل بالموادّ والخامات الأوليّة لإنتاج هذه المادّة , ووفّرت الشروط اللازمة لتفاعل هذه الموادّ , ونتيجة لتفاعل هذه الموادّ فيما بينها داخل المعمل , يتمّ الوصول إلى الإنتاج المحدّد , فإذا كانت المادّة المنتجة لا تفي بالمواصفات والمعايير المحدّدة , كان لا بدّ من إعادة النظر بهذه المعايير أو إعادة النظر بالموادّ الأوليّة , أو إعادة النظر بالشروط التي حدثت في ظلّها التفاعلات بين الموادّ الأوليّة داخل المعمل , وهذا ما يعرف بالتغذية الراجعة , وبذلك يمكن القول بأنّ المنهج كمنظومة يتكوّن من المكوّنات الآتية :
1- المعلّم والتلميذ والأهداف والمحتوى والطرائق والوسائل والأنشطة وأساليب التقويم وتسمّى ( مدخلات المنهج ) .
2- التفاعلات التي تجري ضمن الشروط التي وفّرتها المدرسة بين تلك المكوّنات , ولا سيما بين المعلّم وما لديه من معلومات وما يستخدمه من طرائق وأساليب ووسائل وعلاقات إنسانيّة , وما يوفّره من أنشطة , وما يستخدمه من أساليب تقويم , وبين التلميذ , وما يقوم به من نشاط , وتفاعل مع المعلّم وزملائه , ومع مصادر التعلّم المتوافرة في المدرسة ( كتب , مراجع , نشاط تعلّميّ تعاونيّ , وتعلّم ذاتي , علاقات صفيّة ومدرسيّة وغير ذلك ) , وهذا ما يسمّى بـ ( العمليّات ) .
3- المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم التي اكتسبها التلميذ نتيجة مروره بالتفاعلات السابق , وهذا ما يسمّى بـ ( المخرجات ) .
4- التأكّد من مدى اكتساب التلميذ المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم وفقاً للأهداف الموضوعة , فإذا تحقّقت الأهداف كما هو مطلوب , تمّ تعزيز المدخلات والعمليّات , أ مّا إذا لم تتحقّق الأهداف كما هو مطلوب , فلا بدّ من العودة إلى المدخلات أو العمليّات , وإعادة النظر فيها , أو في بعضها ؛ لتعديلها , وتحسينها ؛ من أجل أن يتمّ الوصول إلى المخرجات بالشكل المطلوب , وهذا ما يسمّى بـ ( التغذية الراجعة ) .
ويوضّح الشكل الآتي مكوّنات المنهج على أنّه نظام :
المدخلات العمليّات المخرجات
-الأهداف التربويّة
-المجتمع وقيمه وعاداته .
-المتعلّمون وحاجاتهم وخبراتهم .
- المعلّمون والمشرفون وما لديهم من خبرات ومهارات .
-الكتب والمراجع والموادّ التعليميّة .
-المرافق والإمكانات المادّيّة في المدرسة والبيئة . - تدريب كلّ من المشرف والمدير والمعلّم في تنفيذ المنهج .
- فاعليّة كلّ من المعلّم والمتعلّم ووليّ الآمر في تنفيذ المنهج .
-متابعة تجريب المنهج وتطويره على مختلف المستويات .
- الإفادة من البيئة كأحد مصادر التعلّم .
تحقيق أهداف المنهج من خلال التنمية الشاملة المتكاملة للمتعلّمين التي تتمثّل باكتسابهم الخبرات , وتعديل السلوك نحو ما هو مرغوب فيه .
التغذية الراجعة
إنّ فعّاليّة منظومة المنهج تقاس بدرجة التطابق بين مخرجاتها والأهداف التي حدّدت سلفاً , والتي بنيت المنظومة من أجلها , كما تتحدّد من مرونتها , بحيث تستطيع تطوير مكوّناتها لتواكب ما يستجدّ في مختلف المؤثّرات التي تؤثّر في المنهج , سواء أكانت هذه المؤثّرات داخليّة من بنية المنهج ذاته , أم خارجيّة من المنظومات الأخرى الأكبر.
إنّ مفهوم المنهج بوصفه نظاماً يقتضي منّا النظر إليه نظرة شاملة لا تغفل المؤثّرات الداخليّة والخارجيّة التي لا تنفكّ تؤثّر في المنهج , ومكوّناته , وتترك بصماتها البيّنة فيه , وبذلك فإنها دائمة التغيّر والتطوّر ؛ لاتصافها بالحيويّة والديناميّة , فهي انعكاس لمنظومة الحياة ذاتها , والحياة منظومة دائمة التغيّر والتطوّر .
1- المنهج الظاهر والمنهج المستتر أو الخفي :
يتردّد في علم المناهج ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ والمنهج الظاهر أو الرسميّ , فما المقصود بكلّ منهما , وللإجابة عن هذا السؤال نرى أنّ التسمية تدلّ على المسمّى , فالمنهج الظاهر أو الرسميّ هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , وبالتالي فإنّ معظم ما يكتسبه المتعلّمون يكون نتيجة لتفاعلهم المنظّم والمخطّط مع مكوّنات ذلك المنهج , وهو ( المنهج الظاهر ) , إلاّ أنّنا نكتشف أنّ ثمّة خبرات أخرى اكتسبها المتعلّمون لم يتضمّنها المنهج الظاهر أو الرسميّ , ولم يخطّط لاكتسابها , فمن أين اكتسب المتعلّمون هذه الخبرات ؟
إنّ تفاعل التلاميذ فيما بينهم داخل الفصل وخارجه , وتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة بكل ّمكوّناتها ومرافقها أكسبهم خبرات جديدة لم تقصد المدرسة إكسابهم إيّاها , وكأنّ تعلّماً حدث خارج سيطرة المدرسة , هذا التعلّم غير المقصود هو المسؤول عن الخبرات المكتسبة خارج نطاق المنهج الرسميّ هو ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ .
- المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ :
المنهج الرسميّ كما وضّحناه في الفقرة السابقة هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , أمّا المنهج الواقعيّ فهو الصورة الحقيقيّة للمنهج عند تطبيقه على أرض الواقع , فقد يكون هناك اختلاف واضح بين ما ورد في المنهج الرسميّ وما يطبّق فعلاً على أرض الواقع , وقد يظهر التقارب والانسجام , بل قد يبدو ما يطبّق على أرض الواقع هو المنهج الرسميّ كما وضع , بكلّ مكوّناته , ويعود السبب في التفاوت بين المنهجين الواقعيّ والرسميّ إلى مستوى فهم كلّ فرد في الميدان التربويّ مضمون المنهج الرسميّ وأهدافه , ودرجة حماسته أو تأييده ما تضمّنه المنهج الرسميّ , ولكي تزول الهوّة بين المنهجين لابدّ من استمرار التواصل بين مخطّطي المناهج ومصمميها والقائمين على تنفيذها في الميدان , وقد ذكر جلاتهورن نقلااً عن مولين دبارك عدّة أمور يمكن أن ترفع من مستوى تطبيق المنهج بحيث تقلّل الهوّة الفاصلة بين النظريّة والتطبيق , أي بين المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ , وهي :
1- توفير الموادّ التعليميّة المساعدة للمنهج الجديد .
2- تشجيع مديري المدارس على تحمّل مسؤوليّة تطبيق المنهج الجديد في مدارسهم , وإعطاؤهم التدريب الضروريّ لذلك .
3- تبنّي مديري المدارس المنهج الجديد , واقتناعهم به .
4- تهيئة الفرص للمعلّمين لتبادل الرأي حول المنهج الجديد .
5- مساهمة المعلّمين في المنهج الجديد , تدريب المعلّمين على المنهج الجديد . تأييد المجتمع للمنهج الجديد . " .
- تخطيط المنهج :
تناول التربويون مصطلح تخطيط المنهج بشكل مسهب , فهو عند بعضهم : " عبارة عن تصوّر لما ينبغي أن يكون عليه المنهج , من حيث التصميم ( تحديد الأهداف , واختيار المحتوى وتنظيمه ) , وكذلك الصورة التي يجب أن يكون عليها تنفيذ المنهج 0 جميع الممارسات الخاصّة بمعالجته في الواقع , أو الميدان التربويّ ) , بالإضافة إلى عمليّة التقويم التي يجب أن يراعيها المنهج , من حيث تحديد أساليب التقويم التي توضّح العائد التعليميّ / التعلّميّ لدى الطلاّب ؛ للإستفادة من ذلك في تحسين المنهج وتطويره "
وعرّفه السامرّائيّ وزميلاه بأنّه : " جميع العمليّات اللازمة للتخطيط نفسه , ابتداء من تلك الفكرة التي تخطر ببال الإنسان ليخطّط , إلى أن يصل إلى كتابة الوثيقة أي ( المنهج ) ." .
فالمقصود بتخطيط المنهج هو كلّ الخطوات والعمليّات التي يقوم به خبراء المناهج لوضع منهج يتّصف بالمعايير السائدة المعتمدة للمنهج في مجتمع معيّن , وفي زمن معيّن , وتتشكّل هذه العمليّات والخطوات من :
- دراسة الواقع , وتحليله .
- صوغ الأهداف العامّة للمنهج .
- اختيار الموضوعات العامّة الملبّية للأهداف .
- ترجمة الموضوعات إلى خبرات تفصيليّة تتّسم اختيار بالدقّة والشمول, وتنظيمها وتنسيقها بشكل يحقّق الربط والتوازن والتتابع .
- اختيار الأساليب الوسائل والنشاطات وأساليب التقويم المناسبة لتلك الخبرات .
- تجريب المنهج , وجمع الملاحظات الميدانيّة حول المنهج المجرّب .
- إعادة النظر بمكوّنات المنهج وفق الملاحظات الميدانيّة في مدارس التجريب .
- تعميم المنهج , ومتابعة تقويمه وتطويره .
وبالتالي فإنّ عمليّة تخطيط المنهج عمليّة شاملة يتضمّن معناها كلّ ما يتعلّق بهندسة المنهج , وبنائه , وتنظيمه , وتطويره , وتقويمه .
- تطوير المنهج (Curriculum Development : هي العمليّة التي يتمّ عن طريقها تحديد الكيفيّة التي سيتمّ بها تشييد المنهج والتي تعتمد على الجوانب التالية :
أ ـ طبيعة المجتمع . ب ـ المتعلّم .ج ـ المعرفة . د ـ الأهداف ؛
ولذا يلزم أن يكون هناك تكامل بين البناء والتطوير، ولا يمكن إغفال هذا التكامل , فبناء المنهج عملية تتركّز على المنهج نفسه , بينما تتوجّه عملية تطوير المنهج نحو كيفية تشييد المنهج , فعمليات البناء والتطوير ليست عمليات تتابعيّة من الناحية الزمنية , بل تتمّ على التوازي فيما بينها.
- تحسين المنهج Curriculum Improvement
بعد أن يتمّ بناء المنهج وتطويره تأتي مرحلة التطبيق والتجريب التي تواكبها – حتّى النهاية - عمليّة التقويم , حيث تظهر من خلالها نقاط قوّة المنهج , ونقاط ضعفه , وهنا تبدأ عمليّة تعزيز نقاط القوّة , وتجاوز نقاط الضعف , وهذه العمليّة هي عمليّة تحسين ، وبذلك نحصل على المردود الذي يستفاد منها في إعادة النظر في علميات التشييد والتطوير وفي عمليات المراجعة والتحسين ، ، ثمّ يطبّق ما يتمّ التوصل إليه على أساس تجريبيّ ، وتستخدم المعلومات التي يتمّ الحصول عليها نتيجة هذا التجريب؛ بهدف المزيد من البناء والتطوير وتعديل أساليب التحسين والتطبيق .
- هندسة المنهاج Curriculum engineering
هذا المصطلح حديث نسبيّاً في ميدان المناهج بالمقارنة بالمصطلحات السابقة , وعادة ما يرتبط
هذا المصطلح بعمليّة بناء المنهج على أنّه نظام , حيث يعرّف بوشامب هندسة المنهج بأنّها كلّ العمليّات اللازمة لجعل المنهج كنظام يؤدّي وظيفته في المدرسة .





لا تستعجل النتائج ، الحياة كثمرة الشجرة…عندما تنضج  تسقط بمفردها



ABDELMOUNAIM
عضوجديد
عضوجديد
الجزائر
ذكر
عدد المساهمات : 3
تاريخ التسجيل : 29/04/2010

مُساهمةABDELMOUNAIM في الأربعاء يناير 15, 2014 12:42 am

@بلمامون كتب:مفهوم المنهج Curriculum Concept إعداد: د . غازي مفلح ، جامعة أم القرى
مفهوم المنهج
Curriculum Concept
الأهداف :
يتوقّع من الدارس بعد الاطلاع أن يكون قادراً على :
- أن يعرّف كلاًّ من المنهج التقليديّ والمنهج الحديث .
- أن يوضّح أبرز الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ .
- أن يعدّد العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج .
- أن يبيّن مكوّنات المنهج بمفهومه الحديث .
- أن يقارن بين المنهج الحديث والمنهج التقليديّ من حيث الأهداف والمكوّنات ودور كلّ من المعلّم والمتعلّم .
- أن يشرح المنهج بوصفه نظاماً .
- أن يعرّف بعض المصطلحات المتعلّقة بالمنهج .
مفهوم المنهج
Curriculum Concept
مقدّمة :
تتواتر في الدراسات الإنسانيّة بعامّة , وفي الأدب التربويّ على وجه الخصوص  كلمة منهج , ويختلف معنى هذه الكلمة بحسب السياق الذي ترد فيه , وأجمع كثير من الباحثين أنّ اليونان هم أوّل من استخدم هذه الكلمة , فهي تعني بأصل وضعها الإغريقيّ : " الطريقة التي يتّخذها الفرد , أو النهج Course   الذي يجريه ليسرع به إلى تحقيق هدف معيّن , فالمريض مثلاً حين يستهدف الشفاء من مرضه يشرب الدواء بنظام معيّن , ويمتنع عن أكل بعض المطعومات , ويخضع للحقن بدواء يصفه الطبيب , وكلّ ذلك معناه منهج هذا المريض في الوصول إلى الشفاء "  .
وفي لغتنا العربيّة نجد أنّ كلمة المنهج مأخوذة من الفعل نهج ينهج نهجاً , ورد في المعجم الوجيز ( مادّة  نهج ) " نهج الطريقُ ـَ نهجاً : وضَح واستبان , ونهج الطريقَ : بيّنه , وسلكه , ويقال : نهج نهْج فلان : سلك مسلكه , وانتهج الطريقَ : استبانه وسلكه , واستنهج سبيل فلان : سلك مسلكه , والمِنْهاج : الطريق الواضح والخطّة المرسومة , ومنه : منهاج الدراسة , ومنهاج التعليم ونحوهما , (ج ) مناهج , والمنهج : المنهاج ( ج )مناهج . "    .
وتعود  كلمة منهج Curriculum في اللغات الأجنبيّة الحديثة إلى الكلمة اللاتينيّة Currere " وتعني ( حلبة السباق )  التي يتنافس فيها المتنافسون للوصول إلى نقطة الفوز , فإذا ما نظرنا إلى منهج أي مؤسّسة تعليميّة نجده بأنّه عبارة عن مجموعة من الخطط والنظم التي تؤلّف وحدة كبيرة تهدف إلى نقل التلميذ من محطّة إلى أخرى عبر سلسلة من الإرشادات والمعارف والمهارات التي تفيده في حياته في المستقبل , وفي داخل المؤسّسة التعليميّة نجد التلاميذ يتنافسون من أجل النجاح والتفوّق في الموادّ الدراسيّة 0"   .
وقد تطوّر مفهوم المنهج في قواميس اللغة الأجنبيّة بشكل مستمرّ , فقد كانت كلمة منهج Curriculum تعني المنهج الخاصّ بالجامعة , وبهذا المعنى وردت هذه الكلمة لأوّل مرّة في قاموس ( وبستر ) طبعة عام 1856 , وفي عام 1966وردت كلمة Curriculum في قاموس ( بانكروفت ) بمعنى " سلسلة منظّمة من الدروس أعدّت للدراسة "  
        أمّا في الطبعة الثالثة من قاموس التربية  Dictionary of Education لجود Good  عام 1973 , فقد وردت لكلمة المنهج Curriculum ثلاثة تعريفات هي   :
" 1- مجموعة من المقرّرات , أو الموادّ الدراسيّة التي تلزم للتخرّج , أو الحصول على درجة علميّة في ميدان رئيس من ميادين الدراسة , مثل منهج الموادّ الاجتماعيّة , أو منهج الرياضيّات .
2- خطّة عامّة شاملة للمواد التي ينبغي أن يدرسها التلميذ في المدرسة ؛ ليحصل على درجة علميّة ( شهادة ) تؤهّله للعمل بمهنة أو حرفة .
3- مجموعة من المقرّرات والخبرات التي يكتسبها التلميذ في المدرسة أو الكليّة " .
وبذلك أصبح المنهج يعني الخبرات التي تقدّمها المدرسة لطلاّبها للوصول إلى الأهداف التربويّة , ونظراً لاختلاف الأهداف التربويّة على مرّ العصور تبعاً لاختلاف الفلسفات السائدة , فقد تغيّرت دلالة المنهج وتطوّرت وفق تغيّر هذه الأهداف وتطوّرها , غير أنّنا يمكن أن نميّز نوعين من معاني المنهج , الأوّل ويدلّ على  المنهج بمفهومه التقليديّ , و الثاني , ويدلّ على المنهج بمفهومه الحديث .
المفهوم التقليديّ للمنهج  :
تتأثّر المناهج التربويّة في أيّ مكان وزمان بالفلسفة السائدة في المجتمع ؛ فهي التي تحدّد معنى المنهج ومفهومه , فقد كانت الفلسفة الإغريقيّة  توجّه التربية إلى وضع مناهج تسهم في إعداد الطفل للمستقبل لتحقيق أهداف تتسم بالثبات ؛ لأنّها – أي الأهداف التربويّة - تعبّر عن حقائق مطلقة لا يمكن مناقشتها , فالمناهج عندهم تغاير طبيعة الطفل , وتؤكّد أهميّة العلوم والفنون , وما على الطفل سوى تعلّمها – ولو باستخدام الشدّة - بغض النظر عن درجة صعوبتها أو مدى ملاءمتها ميول الطفل واهتماماته   ؛ لأنّ هذه العلوم والفنون تستحقّ أن تعلّم لذاتها ؛ ولأنّها الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف التربويّة الساعية إلى الوصول بالطفل إلى إدراك الحقيقة المطلقة أو تغذية عقله , أو السمو بنفسه .
لقد مثّلت الفنون السبعة ( النحو والبلاغة والمنطق والحساب والهندسة والفلك والموسيقى ) محتوى المنهج الإغريقيّ , ثمّ أضيفت لهذه الفنون مع الزمن علوم أخرى كالتاريخ والجغرافية والعلوم والرسم والأشغال .
وقد ظلّت هذه الفلسفة سائدة في الأوساط التربويّة لمدّة طويلة طالت بدايات القرن العشرين , فكان المنهج في ظلّ هذه الفلسفة هو " مجموعة الموادّ الدراسيّة Subjects or Subject- Matter  التي يتولّى المتخصّصون إعدادها أو تأليفها , ويقوم المعلّمون بتنفيذها أو تدريسها , ويعمل الطلاّب على تعلّمها أو دراستها "  .
ونظر إليه بعضهم نظرة مشابهة , فقد ذكروا أنّ المنهج هو محتوى المقرّر الدراسيّ Content of the Subject-Matter , وبذلك نرى أنّ المنهج بمفهومه التقليديّ  عبارة عن المقرّرات الدراسيّة ( أو محتواها ) التي أعدّها المتخصّصون – انطلاقاً من قناعتهم بضرورتها لتحقيق الأهداف التربويّة – وكلّف المعلّمون تدريسها بأيّ أسلوب يرونه مناسباً , وطلب إلى التلميذ استظهارها وإدراك حقائقها, دون أدنى اعتبار لاستعداداته وميوله .
وبذلك نستطيع أن نقول : إنّ المنهج بمفهومه التقليديّ اقتصر على المقرّرات الدراسيّة , والمعارف والمعلومات التي تتضمّنها تلك المقرّرات , ويوضّح الشكل الآتي المنهج بمفهومه التقليديّ الضيّق :
شكل رقم (  1  ) : المنهج بمفهومه التقليديّ  
إعداد المهج التقليديّ :
تتمّ عمليّة إعداد المنهج التقليديّ وفق الخطوات الآتية :
" 1- يقوم المتخصّصون بتحديد المعلومات اللازمة لكلّ مادّة دراسيّة .
2- توزّع معلومات كلّ مادّة على المراحل الدراسيّة , وعلى كلّ صفّ في كلّ مرحلة منها .
3- تجمع معلومات كلّ مادّة في كلّ صفّ ضمن كتاب مستقلّ , هو الكتاب المدرسيّ .
4- توزّع موضوعات كلّ مادّة في كلّ كتاب على أشهر العام الدراسيّ , وعلى أسابيع كلّ شهر .
5- تحدّد الطرائق والوسائل المساعدة على تدريس كلّ موضوع , في كلّ مادّة دراسيّة .
6- تحدّ أساليب تقويم كلّ مادّة دراسيّة في كلّ صفّ .
الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ :
أصبح مفهوم المنهج بمعناه التقليديّ الذي يتمثّل بالمقرّرات الدراسيّة لا يلبّي التوجّهات التربويّة الحديثة التي نقلت مركز الاهتمام التربويّ من المادّة الدراسيّة إلى المتعلّم , فتعرّض هذا المفهوم التقليديّ للمنهج لجملة من انتقادات التربويين المجدّدين , ومن بينها ما ذكره سرحان الذي يمكن إجمال أبرز انتقاداته بما يأتي :  
" 1- اقتصار وظيفة المدرسة على الاهتمام بالجانب المعرفيّ :
اقتصرت وظيفة المدرسة على الاهتمام بالمعرفة , وأهملت جميع الجوانب النفسيّة والاجتماعيّة والفكريّة بمعناها الشامل , وقد ترتّب على ذلك في كثير من الأحيان أنّ التلاميذ كانوا يدرسون المادّة , ويحفظونها , ولكنّهم يبغضونها في الوقت نفسه ؛ وبذلك فإنّ صلتهم بما كانوا يدرسونه كانت صلة موقوتة , تنتهي بانتهاء الدراسة , وحصولهم على الشهادة ؛ وكانوا يرتدّون إلى الأميّة في مجال دراستهم بعد فترة من الزمن بسبب النسيان من جهة , وعدم القدرة على ملاحقة التطوّرات السريعة في مجال العلم والثقافة من جهة أخرى , كما ترتّب على ذلك أيضاً أنّ المعرفة التي كان التلاميذ يحصّلونها كانت من النوع الهامد الميت الذي لا يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه أو بيئته أو حياته , ولا يعدّل سلوكه , فإذا تذكّرنا أنّ التربية الحقّة إنّما تستهدف تعديل سلوك الإنسان في الاتّجاهات المطلوبة , فإننا نستطيع أن نرى مدى إخفاق التربية التي تسير وفق هذا المفهوم الضيّق للمنهج في تحقيق رسالتها الكبرى , وهي بناء الشخصيّة , وتوجيه السلوك , وبناء أجيال جديدة من البشر يقودون مسيرة الحياة . 2- العزلة بين المدرسة والحياة :
لقد أدّى الأخذ بهذا المفهوم الضيّق للمنهج إلى عزلة كبيرة بين المدرسة والحياة , فالمدرسة غارقة في اهتمامها بتحفيظ ما في الكتب من معلومات قلّما ترتبط بحياة التلاميذ ارتباطاً وثيقاً , والمدرسة لا تعدّ للحياة بجميع ما تتطلّبه من مهارات واتّصالات , وقدرة على تحمّل المسؤوليّات , وحلّ المشكلات , والمشاركة فمجالات التقدّم والإنماء .
4- إهمال الجوانب الأدائيّة والعمليّة والتطبيقيّة :
ركّز المنهج بمفهومه الضيّق على الجوانب النظريّة واللفظيّة , واتّخذ الامتحانات بصورتها التقليديّة وسيلة لتحديد مدى ما اكتسبه التلاميذ من المعرفة , وقد أدّى كلّ ذلك إلى إهمال النواحي العمليّة والتطبيقيّة , واقتصر تحصيل التلاميذ للمعرفة على أدنى مستوياتها وهو مستوى الحفظ والاسترجاع الآليّ , أمّا المستويات العليا من المعرفة , وهي الفهم والتطبيق والممارسة الذكيّة والنقد والابتكار والإبداع , فلم تكن تدخل في نطاق أهداف المدرسة القديمة .
5- تقييد حريّة المعلّم :
لقد أدّى الأخذ بالمفهوم الضيّق للمنهج إلى تقييد حريّة المعلّم , ذلك أنّه لا يستطيع أن يتحرّك إلاّ في مجال محدود , وهو مجال شرح الدروس وتحفيظها وتسميعها ؛ وبذلك أغلقت مجالات الاجتهاد والابتكار أمامه , ذلك أنّ الاجتهاد والابتكار إنّما يتجلّى في أروع صوره عندما تتعدّد الأهداف أمام المعلّم , بحيث يستطيع أن يبتكر الطرائق والأساليب لتوجيه الميول , وتنمية المواهب والاستعدادات , ورعاية القدرات
الابتكاريّة لدى التلاميذ , وتدريبهم على المهارات المنشودة , والإسهام في تقويم شخصيّاتهم , وتوجيه سلوكهم , وتحقيق أقصى ما تبلغه إمكاناتهم " .
وذكر  الخليفة  إضافة إلى الانتقادات السابقة انتقادات أخرى نتبعها إلى ما سبق , منها  :
6- إهمال حاجات المتعلّمين وميولهم :
" أهمل المنهج التقليديّ حاجات المتعلّمين وميولهم , وما بينهم من فروق فرديّة متعدّدة , فما على الطلاّب إلاّ أن يدرسوا المادّة الدراسيّة المفروضة عليهم , ويحفظونها .
7- إغفال دور القدوة الحسنة في توجيه السلوك :
أغفل هذا المنهج دور القدوة الحسنة والقيم التربويّة في توجيه السلوك ؛ إذ يعتقد أنصاره أنّ تزويد المتعلّمين بالمعارف يكفي  وحده لتوجيه سلوكهم بما يتّفق وتلك المعارف , وقد ثبت خطأ هذا الاعتقاد ؛ فالفرد لا يسلك في جميع الحالات وفقاً لعلمه ومعرفته .
8- حصر اختيار محتوى المنهج بالمتخصّصين فحسب :
اقتصر اختيار محتوى المادّة الدراسيّة وتنظيمها في كتب مدرسيّة على المتخصّصين والخبراء , الذين لا يأخذون في حسبانهم وجهة نظر المعلّمين والتلاميذ , ممّا كان له أكبر الأثر في ضعف حماسة المعلّمين للتدريس , وعزوف التلاميذ عن الدروس .
9-استبعاد الأنشطة المدرسيّة :
استبعد المعلّمون – في ظلّ المنهج التقليديّ – معظم الأنشطة المدرسيّة غير الصفّيّة , بل عدّوها مضيعة للوقت , صارفة عن الحفظ الذي يترتّب عليه النجاح في الامتحانات , وهو الهدف الأسمى للتقويم في مفهوم المنهج التقليديّ  " .  
وأضاف الشريفيّ وأحمد جملة من الانتقادات , ولا سيّما تلك التي تتعلّق بالتلميذ والمادّة الدراسيّة , ويمكن إضافتها إلى الانتقادات السابقة , وهي   :
" 10- تعويد التلاميذ السلبيّة وعدم الاعتماد على النفس :
يقوم كلّ معلّم بشرح موضوعات مادّته وتبسيطها , وعلى التلميذ أن يسمع ويستوعب ما يقوله المعلّم , وما تتضمّنه الكتب , ومن ثمّ فدور التلميذ داخل الفصل الإنصات والإصغاء والخضوع التامّ والسلبيّة المطلقة , ومن هنا نشأ التلميذ وهو معتمد على المعلّم والكتاب , وبالتالي بدأ يتعوّد السلبيّة , وعدم الاعتماد على النفس .
11- تضخّم المقرّرات الدراسيّة :
نتيجة للزيادة المستمرّة في المعرفة بشتّى جوانبها, , ونتيجة لاهتمام كلّ متخصّص بالمادّة التي اختصّ بها فقط , فقد اهتمّ مؤلّفو الموادّ الدراسيّة بإدخال الإضافات المستمرّة عليها , حتّى تضخّمت , وأصبحت عبئاً ثقيلاً على المعلّم والتلميذ , فاهتمّ الأوّل بالشرح والتلخيص , واهتمّ الثاني بالحفظ والترديد , وضاعت الأهداف التربويّة المنشودة في زحام المعلومات المتزايدة .  
12- عدم ترابط الموادّ :
أدّى اهتمام كلّ معلّم بالمادّة التي يقوم بتدريسها إلى خلق حاجز قويّ بين الموادّ الدراسيّة , وبالتالي لم يعد بينها ترابط أو تكامل , فإذا سأل التلميذ معلّمه عن معلومة معيّنة , أجاب المعلّم : إنّ إجابة هذا السؤال تخصّ معلّم مادّة أخرى ." .
وفي نهاية حديثنا عن هذه الانتقادات , يمكن أن نصنّفها وفق الجدول الآتي :
عناصر العمليّة التعليميّة النقد الموجّه إلى المنهج التقليديّ
التلميذ - التركيز على تنمية الجانب العقليّ , وإهمال جوانب النمو المختلفة.
- إهمال حاجات التلميذ وميوله ورغباته .
- إهمال مراعاة الفروق الفرديّة بين المتعلّمين .
- إهمال توجيه السلوك , وتكوين المهارات والاتّجاهات الإيجابيّة , وإغفال دور القدوة الحسنة في ذلك.
- تعويد التلميذ السلبيّة , وعدم الاهتمام أو الشعور بالمسؤوليّة.
- نفور التلميذ من الجوّ المدرسيّ , وشعوره بالملل ؛ بسبب عدم جذب اهتمامه داخل الصفّ , وفي باحة المدرسة .
- قطع التلميذ عن مشكلات بيئته .
المعلّم - تقييد حريّة المعلّم , وحرمانه من الإبداع والابتكار .
- التقليل من شأنه , وعد أخذ رأيه فيما يدرّسه .
- تحميل المعلّم جهداً كبيراً بسبب الاعتماد عليه بشكل كلّيّ في الشرح والتسميع والمتابعة والتقويم .
- شعور المعلّم بالقلق وعدم الطمأنينة نظراً لأساليب تقويمه المعتمدة على التفتيش , وتسقّط الأغلاط .
المادّة الدراسيّة - تضخّم المادّة الدراسيّة , وتضخّم المشكلات المترتّبة على ذلك , والتي تقع على كاهل كلّ من التلميذ والمعلّم وولي الأمر .
- الانفصال التامّ بين الموادّ , وعدم التكامل فيما بينها , ناهيك عن عدم التكامل بين أفرع المادّة الواحدة .
- الاهتمام بالجانب النظريّ , وإغفال الجوانب التطبيقيّة للمادّة .
- عدم ارتباط المادّة بالحياة , وبالتالي انخفاض درجة الإقبال على تعلّمها , وسرعة نسيانها بسبب عدم توظيفها في حلّ مشكلات المتعلّم .
أساليب التقويم - التركيز على تقويم المستويات الدنيا من المجال المعرفيّ ( الحفظ والاسترجاع ) .
- الاقتصار على الأسئلة المقاليّة .
- الشعور بالخوف والقلق والرهبة من أجواء الامتحانات.
الجوّ المدرسيّ العامّ - الابتعاد عن العلاقة الإنسانيّة الجاذبة ,ولا سيّما بين المعلّم الذي يسعى إلى إفراغ ما لديه من معلومات بأيّ وسيلة, والتلميذ المكره على تعلّم معلومات لا تلبّي اهتمامه , وشيوع ظواهر سلبيّة في تلك العلاقة , ومنها ظاهرة العقاب الجسديّ .  
- ابتعاد الجوّ المدرسيّ عن كلّ ما يجذب التلميذ ؛ ولذلك ظهور ما يعرّف بالتسرّب المدرسيّ على نطاق واسع , والارتداد إلى الأميّة .
- خلو الحياة المدرسيّة من الأنشطة المنهجيّة , والترويحيّة .
البيئة المحليّة - الفصل التامّ بين المدرسة والبيئة المحليّة .
- عدم تلبية مخرجات التعليم في ظلّ المنهج التقليديّ لحاجات سوق العمل المحليّة .
المنهج بمفهومه الوسع ( الحديث )
الإرهاصات  :
رأينا أنّ المناهج في ظلّ المدرسة التقليديّة ركّزت على المادّة التعليميّة , وأهملت المتعلّم , ولم تعر بالاً   لميوله ورغباته وغرائزه واهتماماته , كما أنّه لم تفسح المجال أمامه لاكتساب القيم المرغوب فيها , وصقل المهارات التي يحتاج إليها لتلبية احتياجاته , وحلّ مشكلاته , ولم تعمل على تفتّق مواهبه المختلفة , وطاقاته الكامنة ورعايتها في مختلف الجوانب , ولا سيّما الفنيّة منها , والرياضيّة , والأدبيّة ؛ وذلك من خلال وقوفها في وجه الأنشطة المدرسيّة , وعدّها نوعاً من الفوضى ومضيعة الوقت . أو أنّها ثانويّة في أحسن الأحوال .
لقد حدث التطوّر التربويّ بفعل الأفكار التجديديّة التي طرحها التربويّون المتنوّرون , فقد نادى ( روسو )  بضرورة تفاعل الطفل مع الطبيعة , وعدّها أفضل من معلّم ,  فهي التي تكسبه المعرفة , وهي التي تجعله قادراً على استخدام عقله لمواجهة مشكلاته  وحلّها .
أمّا المربّي ( جون ديويّ )  قد أشار في كتابه [ المدرسة والمجتمع ] إلى سلبيّات الحياة المدرسيّة في ظلّ المنهج القديم والتربية التقليديّة  , ولخّصها بأنّه وضعت كلاًّ من المعلّم المادّة في مركز جاذبيّة العمليّة التربويّة , بينما بقس المتعلّم خارج دائرة هذه  الجاذبيّة .
لقد نقلت التربية الحديثة الطفل من هامش العمليّة التربويّة إلى مركزها , فأحدثت بذلك ثورة تربويّة أدّت إلى تطوير العمليّة التربويّة برمّتها , تماماً كما أحدث كوبرنيكوس ثورة علميّة بنقله مركز الجاذبيّة من الأرض إلى الشمس. أسهب في ذلك في وصف واقع المدرسة القديمة قائلاً:
وتوالت الدعوات من قبل العلماء والمفكرين ؛ لإعادة النظر في المناهج الدراسية والتربوية من أجل تحويل المدرسة إلى صورة مصغرة من المجتمع مع شيء من التهذيب , وبما يتناسب والأهداف التربويّة الموضوعة ؛ لكي يمارس التلاميذ حياتهم الفعلية والطبيعيّة فيها ، ويستنبطوا الحقائق , ويتوصّلوا إلى التعميمات بأنفسهم ، ويكتسبوا القيم والاتّجاهات والمهارات بتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة والبيئة المحليّة ؛ وليصبح الكتاب والمعّلم مصدرين من مصادر التعلّم , وليسا المصدرين الوحيدين .
لقد أصبحت المدرسة حياة قائمة بذاتها في جدّها ولعبها وتفاعلاتها , وعاش المتعلّم طفولته من أجل مستقبله , وأصبحت الوظيفة التقليديّة للمدرسة بأنّها إعداد للحياة متخلّفة وقاصرة .
وكان لابدّ للتربية من مفهوم جديد للمنهج المدرسيّ ينسجم والتوجّهات التربويّة الحديثة , ومن هنا كانت ولادة المفهوم الحديث الواسع .  
المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
وردت في كتب المناهج تعريفات عديدة للمنهج بمفهومه الحديث , وجاءت هذه التعريفات متقاربة إلى حدّ بعيد , بل نستطيع القول إنّ بعضها كان متطابقاً , فهو "مجموعة الخبرات التربويّة , والاجتماعيّة , والثقافيّة , والرياضيّة , والفنّيّة التي تخطّطها المدرسة , وتهيّئها لتلاميذها ؛ ليقوموا بتعلّمها داخل المدرسة أو خارجها بهدف إكسابهم أنماطاً من السلوك أو تعديل أو تغيير أنماط أخرى من السلوك نحو الاتّجاه المرغوب فيه , ومن خلال ممارستهم لجميع الأنشطة اللازمة والمصاحبة لتعلّم تلك الخبرات بما يساعدهم في إتمام نموّهم "   .
وهو " مجموع الخبرات التربويّة ( الثقافيّة والرياضيّة والاجتماعيّة والفنّيّة التي تهيئها المدرسة لتلاميذها داخل المدرسة وخارجها بقصد مساعدتهم على النموّ الشامل في جميع النواحي الجسميّة  والعقليّة والاجتماعيّة والانفعاليّة , وتعديل سلوكهم طبقاً لأهدافها التربويّة "   .
وهو " كلّ الخبرات , أو الأنشطة ,أو الممارسات المخططة والهادفة التي توفرها المدرسة لمساعدة المتعلّمين على تحقيق النتاجات التعليميّة المنشودة بأفضل ما تستطيعه قدراتهم سواء كان ذلك داخل قاعة الدرس أو خارجها."  
وذكر الخليفة بأنّ المنهج هو " مجموعة من الخبرات والأنشطة التي تقدّمها المدرسة للتلاميذ داخلها وخارجها , بقصد مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل , الذي يؤدّي إلى تعديل سلوكهم , ويضمن تفاعلهم مع بيئتهم ومجتمعهم , ويجعلهم يبتكرون حلولاً مناسبة لما يوجههم من مشكلات "  .
وبذلك فإنّ المفهوم الحديث للمنهج يتّصف بالخصائص الآتية :
1. يشتمل المنهج الحديث على جميع الخبرات والأنشطة الصفيّة وغير الصفيّة التي تقدّمها المدرسة , وتشرف على تنظيمها ؛ من أجل تحقيق أهداف محدّدة تشتمل تنمية المتعلّم من مختلف النواحي , وإكسابه المهارات الضروريّة لمجابهة تحدّيات الحياة , وزرع القيم والاتّجاهات الإيجابيّة نحو ذاته , ونحو الآخرين , ونحو العالم برمّته , والعمل على تعديل سلوكه بما يتوافق والمعرف والمهارات والقيم المكتسبة .
2. العمل التشاركيّ في إعداده , فمن الواضح أنّ تلك الخبرات المتنوّعة التي يشتمل عليها المنهج الحديث لا تستطيع جهة واحدة بعينها إعدادها واختيارها ؛ ولذلك يشترك في وضع تلك الخبرات عدد كبير من الأكاديميين والتربويين والمعلّمين من مختلف التخصّصات , ورجال الفكر والسياسة, وأرباب العمل والاقتصاد , إضافة إلى عينة من الفئة التي يستهدفها المنهج , وبعض أولياء الأمور من ذوي الثقافات المختلفة والمتفاوتة , وبذلك فإنّ المنهج الحديث يعدّ بأسلوب تشاركيّ تعاونيّ من الجهات التي يعنيها الأمر كافّة , وبشكل يحقّق التوازن والتكامل بين الخبرات .
3. يستند المنهج الحديث إلى رؤية واضحة تراعي الفلسفة التربويّة السائدة , وما أكّدته العلوم النفسيّة , ونظريّات التعلّم ؛ وما يناسب منها لكلّ فئة عمريّة , وما أثبتته الدراسات الرصينة في مجالي التعلّم والتعليم ؛ لتحقيق أفضل نموّ متكامل للمتعلّم  , وذلك من خلال تنويع الطرائق والأساليب التدريسيّة والتقويميّة , ومراعاة الفروق الفرديّة , وتوفير بيئة تعليميّة تعلّميّة آمنة وجاذبة  .
4. يسعى المنهج الحديث إلى توظيف المبتكرات العلميّة لتحقيق أهدافه , ولا سيّما تلك المبتكرات المتعلّقة بتكنولوجيا التعليم , ومصادر التعلّم الحديثة , واستغلال شبكة الاتّصالات الدوليّة للحصول على أحدث ما يستجدّ في مجال العلوم التربويّة والنفسيّة والأكاديميّة .
5. يعمل المنهج الحديث على مراعاة المجتمع وقيمه, وتعزيز قيمه وثقافته , وتلبية حاجاته , من خلال ربط مخرجات التعليم بمتطلّبات سوق العمل , ولذلك تنفتح المدرسة على البيئة لتعرّف ما يتوافر فيها من مصادر إضافيّة للتعلّم , وما تواجهه من تحدّيات ومشكلات , وما تزخر به من قيم وتوجّهات , فتفيد المدرسة من البيئة , وفي الوقت نفسه تعمل على إمدادها بمخرجات بشريّة يسهمون في تطويرها , وحلّ مشكلاتها , وإحداث التغيير الإيجابيّ فيها , وهذا ما يؤكّد الصفة الاجتماعيّة للمنهج الحديث .
6. يؤكّد المنهج الحديث ضرورة العمل الجماعيّ التعاونيّ المشترك , ويقدّر الإبداع الفرديّ ؛ ويعمل على إكساب المتعلّم مهارات جديدة تتعلّق بالتعلّم الجماعيّ , والتعلّم ضمن الفريق , والتعلّم الذاتيّ  , كما يعمل على إكساب المتعلّم قيم قبول الآخر واحترام رأيه , وتقبّل النقد , والعمل الشوريّ الديمقراطيّ , والاعتماد على الذات  , وتحمّل المسؤوليّة , واحترام العمل اليدويّ .
7. يعمل المنهج الحديث على ربط ما هو نظريّ بما هو تطبيقيّ , من خلال النشاط المدرسيّ الهادف ؛ وذلك من أجل تعزيز الخبرات , وتحويلها إلى خبرات مربّية .
8. يهتمّ المنهج الحديث بمختلف مستويات المجال المعرفيّ , ويركّز على المستويات العليا للمعرفة , ومهارات التفكير العلميّ والناقد والإبداعيّ ؛ للانتقال بالمتعلّم من الاهتمام بواقع المعرفة وبنيتها إلى الاهتمام بطريقة البحث في هذه البنية من أجل تطويرها .
العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج :
1.   التغيّرات الثقافيّة والاجتماعيّة الناتجة عن التطوّر العلميّ والتكنولوجيّ, وما ترتّب عليها من تغيّرات في القيم والمفاهيم والاتّجاهات والنظرة إلى الحياة والإنسان .
2.     التغير الذي طرأ على أهداف التربية نتيجة التغيّرات السابقة , وما استتبع ذلك من تغيّر النظرة إلى وظيفة المدرسة, وضرورة مواكبتها التطوّرات التي حصلت في ميادين العلوم المختلفة , ولا سيّما ميدان علم النفس والعلوم التربويّة والاجتماعيّة , وتلبيتها حاجات المجتمع إلى القوى البشريّة القادرة على النهوض به , والوفاء بأهدافه .
3.     نتائج البحوث والدراسات التربويّة التي سلّطت الضوء على نواحي القصور في المنهج التقليديّ , وأوصت بتطويره والأخذ بالمفهوم الواسع للمنهج .
4.     نتائج البحوث والدراسات التي تناولت المتعلّم , وخصائص نموّه , ومتطلّبات كلّ مرحلة من مراحل هذا النموّ , وحاجاته وميوله , وسيكولوجيّة تعلّمه , وطبيعة عمليّة التعلّم ذاتها , والنظريّات التي تناولتها , كلّ ذلك أدّى إلى إعادة النظر بأهداف المنهج الدراسيّ , ومكوّناته الأخرى محتوى , وطرائق , ووسائل , وأنشطة  , وأساليب تقويم , فلم يعد المنهج التقليدي الذي يهدف إلى تنمية الجانب المعرفيّ قادراً على تنمية المتعلّم تنمية شاملة متكاملة , تلك التنمية التي دعت إليها التربية الحديثة , وأصبح من الضروريّ إعادة النظر بالمنهج المدرسيّ  , والانتقال به من المفهوم التقليديّ الضيّق إلى مفهوم حديث أرحب وأوسع وأشمل .
5. طبيعة المنهج التربويّ نفسه, فهو انعكاس للواقع الفكريّ والاجتماعيّ السائد في البيئة والمجتمع ؛ وبالتالي فمن الطبيعيّ أن يأخذ المنهج التربويّ التغيّرات الحاصلة في الحسبان , ويسعى إلى تحقيق الأهداف المستحدثة في المجتمع نتيجة التحوّلات الثقافيّة والفكريّة , وليس المنهج تابعاً للمجتمع فحسب , بل هو عامل تغيير وتطوير مستمرّ له , وبالتالي فهو المحرّض والمهيّئ لعمليّة التغيير الاجتماعيّ ؛ بحيث يتيح للمجتمع توظيف المستجدّات العالميّة لصالحه , ولا سيّما في عصر أصبح العالم فيه قرية صغيرة ,  فالعلاقة بين المنهج والمجتمع علاقة تفاعليّة متبادلة ومستمرّة .
مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع :
لم يقتصر المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) على المقرّرات الدراسيّة فحسب , كما كان المنهج التقليديّ الضيّق , بل اشتمل على كلّ ما له علاقة بالعمليّة التعليميّة التعلّميّة , فهو يشتمل على مكوّنات عديدة هي : الأهداف , المقرّر ,  المحتوى , الكتب والمراجع , النشاطات , طرائق التدريس وأساليبه , الوسائل والموادّ التعليميّة , أساليب التقويم , المرافق المدرسيّة , وسنتطرّق إلى هذه المكوّنات عند حديثنا عن مكوّنات المنهج , والشكل الآتي يوضّح مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
المنهج بوصفه منظومة أو نظاماً System :
لم يعرف المنهج على أنّه علم ومجال للدراسة إلاّ في بداية القرن الماضي ( القرن العشرين ) " حيث تتابعت النظريّات والاجتهادات التربويّة في سبيل تطوير المنهج , وإيجاد نظام له , ونتيجة لتلك الجهود التربويّة برز لدينا نظام يكاد يكون هو السائد في مجتمع العصر الحاضر , ويتمثّل هذا النظام للمنهج في مدخلات وعمليّات ومخرجات وتغذية راجعة "  
وقد انتقل مفهوم النظام من العلوم البيولوجيّة التي اهتمّت بجسم الكائن الحيّ , وما يتضمّنه من أجهزة أو أنظمة مفردها نظام  System ( النظام الهضميّ , النظام الدوريّ , النظام التنفّسيّ , النظام الإخراجيّ , النظام العصبيّ  إلخ ....) إلى العلوم التربويّة , " والأساس  في مصطلح النظام أنّه يتكوّن من مجموعة من الأجزاء أو المكوّنات التي ترتبط فيما بينها ارتباطاً عضويّاً وثيقاً بحيث يؤثّر كلّ منها في غيره , ويتأثّر به  "   .
ومصلح النظام في المنهج يعني أنّه يتشكّل من مجموعة من العناصر أو المكوّنات المترابطة المتشابكة المتفاعلة فيما بينها ( الأهداف , المحتوى , الطرائق , الوسائل , الأنشطة , أساليب التقويم إلخ .... ) , بحيث يؤثّر  كلّ مكوّن في بقيّة المكوّنات ويتأثّر بها .
إن الأخذ بالمدخل المنظوميّ في علم المنهج  لا يقتصر على حتميّة الترابط والتكامل والتشابك بين مكوّنات منظومة المنهج , والتي يشكّل كلّ منها نظاماً أصغر ضمن منظومة المنهج , وإنّما يتجاوز ذلك إلى تبادل العلاقة والتأثّر والتأثير بين منظومة المنهج ككلّ , والمنظومات الأخرى الأكبر ذات الصلة , فالمنهج كنظام هو مكوّن واحد من نظام آخر أكبر  هو التربية , والتربية بدورها مكوّن من نظام أكبر هو المجتمع , وهكذا ...
وبذلك يتّضح أنّ المنظومة دائمة التفاعل والتأثّر والتأثير بين المنظومات الأصغر التي تنضوي في بنيتها , والمنظومات الأكبر التي هي جزء من شبكتها وبنيتها .
ويوضّح الشكل الآتي موقع منظومة المنهج من المنظومات الأخرى الأكبر :
--------------------------------------------------
ولا تكمن أهميّة المنظومة من المكوّنات والعناصر التي تتشكّل منها , وإنّما تكمن أهميّتها في مدى تفاعل هذه المكوّنات فيما بينها للوصول إلى نتاجات ذات معايير حدّدت سلفاً في الأهداف التي يتوخّى تحقيقها من تفاعل هذه المكوّنات , ومن هنا يمكن تشبيه المنظومة بمعمل أقيم لإنتاج مادّة معيّنة , ذات مواصفات ومعايير محدّدة , ثمّ زوّد هذا المعمل بالموادّ والخامات الأوليّة لإنتاج هذه المادّة , ووفّرت الشروط اللازمة لتفاعل هذه الموادّ , ونتيجة لتفاعل هذه الموادّ فيما بينها داخل المعمل , يتمّ الوصول إلى الإنتاج المحدّد , فإذا كانت المادّة المنتجة لا تفي بالمواصفات والمعايير المحدّدة , كان لا بدّ من إعادة النظر بهذه المعايير أو إعادة النظر بالموادّ الأوليّة , أو إعادة النظر بالشروط التي حدثت في ظلّها التفاعلات بين الموادّ الأوليّة داخل المعمل , وهذا ما يعرف بالتغذية الراجعة , وبذلك يمكن القول بأنّ المنهج كمنظومة يتكوّن من المكوّنات الآتية :
1- المعلّم والتلميذ والأهداف والمحتوى والطرائق والوسائل والأنشطة  وأساليب التقويم وتسمّى ( مدخلات المنهج ) .
2- التفاعلات التي تجري ضمن الشروط التي وفّرتها  المدرسة بين تلك المكوّنات , ولا سيما بين المعلّم وما لديه من معلومات وما يستخدمه من طرائق وأساليب ووسائل وعلاقات إنسانيّة , وما يوفّره من أنشطة , وما يستخدمه من أساليب تقويم , وبين التلميذ , وما يقوم به من نشاط , وتفاعل مع المعلّم وزملائه , ومع مصادر التعلّم  المتوافرة في المدرسة ( كتب , مراجع , نشاط تعلّميّ تعاونيّ , وتعلّم ذاتي , علاقات صفيّة ومدرسيّة وغير ذلك ) , وهذا ما يسمّى بـ ( العمليّات ) .
3- المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم التي اكتسبها التلميذ نتيجة مروره بالتفاعلات السابق , وهذا ما يسمّى بـ ( المخرجات ) .
4- التأكّد من مدى اكتساب التلميذ المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم وفقاً للأهداف الموضوعة , فإذا تحقّقت الأهداف كما هو مطلوب , تمّ تعزيز المدخلات والعمليّات , أ مّا إذا لم تتحقّق الأهداف كما هو مطلوب , فلا بدّ من العودة إلى المدخلات أو العمليّات , وإعادة النظر فيها , أو في بعضها ؛ لتعديلها , وتحسينها ؛ من أجل أن يتمّ الوصول إلى المخرجات بالشكل المطلوب , وهذا ما يسمّى بـ ( التغذية الراجعة ) .
ويوضّح الشكل الآتي مكوّنات المنهج على أنّه نظام :
المدخلات                       العمليّات                                   المخرجات
-الأهداف التربويّة
-المجتمع وقيمه وعاداته .
-المتعلّمون وحاجاتهم وخبراتهم .
- المعلّمون والمشرفون وما لديهم من خبرات ومهارات .
-الكتب والمراجع والموادّ التعليميّة .
-المرافق والإمكانات المادّيّة في المدرسة والبيئة . - تدريب كلّ من المشرف والمدير والمعلّم في تنفيذ المنهج .
- فاعليّة كلّ من المعلّم والمتعلّم ووليّ الآمر في تنفيذ المنهج .
-متابعة تجريب المنهج وتطويره على مختلف المستويات .
- الإفادة من البيئة كأحد مصادر التعلّم  .
تحقيق أهداف المنهج من خلال التنمية الشاملة المتكاملة للمتعلّمين التي تتمثّل باكتسابهم الخبرات , وتعديل السلوك نحو ما هو مرغوب فيه .
التغذية الراجعة
إنّ فعّاليّة منظومة المنهج تقاس بدرجة التطابق بين مخرجاتها والأهداف التي حدّدت سلفاً , والتي بنيت المنظومة من أجلها , كما تتحدّد من مرونتها , بحيث تستطيع تطوير مكوّناتها لتواكب ما يستجدّ في مختلف المؤثّرات التي تؤثّر في المنهج , سواء أكانت هذه المؤثّرات داخليّة من بنية المنهج ذاته , أم خارجيّة من المنظومات الأخرى الأكبر.
إنّ مفهوم المنهج بوصفه نظاماً يقتضي منّا النظر إليه نظرة شاملة لا تغفل المؤثّرات الداخليّة والخارجيّة التي لا تنفكّ تؤثّر في المنهج , ومكوّناته , وتترك بصماتها البيّنة فيه , وبذلك فإنها دائمة التغيّر والتطوّر ؛ لاتصافها بالحيويّة والديناميّة , فهي انعكاس لمنظومة الحياة ذاتها , والحياة منظومة دائمة التغيّر والتطوّر .                
1- المنهج الظاهر والمنهج المستتر أو الخفي :
يتردّد في علم المناهج ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ والمنهج الظاهر أو الرسميّ  , فما المقصود بكلّ منهما , وللإجابة عن هذا السؤال نرى أنّ التسمية تدلّ على المسمّى , فالمنهج الظاهر  أو الرسميّ هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , وبالتالي فإنّ معظم ما يكتسبه المتعلّمون يكون نتيجة لتفاعلهم المنظّم والمخطّط مع مكوّنات ذلك المنهج , وهو ( المنهج الظاهر ) , إلاّ أنّنا نكتشف أنّ ثمّة خبرات أخرى اكتسبها المتعلّمون لم يتضمّنها المنهج الظاهر أو الرسميّ , ولم يخطّط لاكتسابها , فمن أين اكتسب المتعلّمون هذه الخبرات ؟
إنّ تفاعل التلاميذ فيما بينهم داخل الفصل وخارجه , وتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة بكل ّمكوّناتها ومرافقها أكسبهم خبرات جديدة لم تقصد المدرسة إكسابهم إيّاها , وكأنّ تعلّماً حدث خارج سيطرة المدرسة , هذا التعلّم غير المقصود هو المسؤول عن الخبرات المكتسبة خارج نطاق المنهج الرسميّ هو ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ .
- المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ :
المنهج الرسميّ كما وضّحناه في الفقرة السابقة هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , أمّا المنهج الواقعيّ فهو الصورة الحقيقيّة للمنهج عند تطبيقه على أرض الواقع , فقد يكون هناك اختلاف واضح بين ما ورد في المنهج الرسميّ وما يطبّق فعلاً على أرض الواقع , وقد يظهر التقارب والانسجام , بل قد يبدو ما يطبّق على أرض الواقع هو المنهج الرسميّ كما وضع , بكلّ مكوّناته , ويعود السبب في التفاوت بين المنهجين الواقعيّ والرسميّ إلى مستوى فهم كلّ فرد في الميدان التربويّ مضمون المنهج الرسميّ وأهدافه , ودرجة حماسته أو تأييده ما تضمّنه المنهج الرسميّ , ولكي تزول الهوّة بين المنهجين لابدّ من استمرار التواصل بين مخطّطي المناهج ومصمميها والقائمين على تنفيذها في الميدان , وقد ذكر  جلاتهورن نقلااً عن مولين دبارك عدّة أمور يمكن أن ترفع من مستوى تطبيق المنهج بحيث تقلّل الهوّة الفاصلة بين النظريّة والتطبيق , أي بين المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ , وهي :
1- توفير الموادّ التعليميّة المساعدة للمنهج الجديد .
2- تشجيع مديري المدارس على تحمّل مسؤوليّة تطبيق المنهج الجديد في مدارسهم , وإعطاؤهم التدريب الضروريّ لذلك .
3- تبنّي مديري المدارس المنهج الجديد , واقتناعهم به .
4- تهيئة الفرص للمعلّمين لتبادل الرأي حول المنهج الجديد .
5- مساهمة المعلّمين في المنهج الجديد , تدريب المعلّمين على المنهج الجديد . تأييد المجتمع للمنهج الجديد . "  .
- تخطيط المنهج :
تناول التربويون مصطلح تخطيط المنهج بشكل مسهب , فهو عند بعضهم : " عبارة عن تصوّر لما ينبغي أن يكون عليه المنهج , من حيث التصميم ( تحديد الأهداف , واختيار المحتوى وتنظيمه ) , وكذلك الصورة التي يجب أن يكون عليها تنفيذ المنهج 0 جميع الممارسات الخاصّة بمعالجته في الواقع , أو الميدان التربويّ ) , بالإضافة إلى عمليّة التقويم التي يجب أن يراعيها المنهج , من حيث تحديد أساليب التقويم التي توضّح العائد التعليميّ / التعلّميّ لدى الطلاّب ؛ للإستفادة من ذلك في تحسين المنهج وتطويره "
وعرّفه السامرّائيّ وزميلاه بأنّه : " جميع العمليّات اللازمة للتخطيط نفسه , ابتداء من تلك الفكرة التي تخطر ببال الإنسان ليخطّط , إلى أن يصل إلى كتابة الوثيقة أي ( المنهج ) ."   .
فالمقصود بتخطيط المنهج هو كلّ الخطوات والعمليّات التي يقوم به خبراء المناهج لوضع منهج يتّصف بالمعايير  السائدة المعتمدة للمنهج في مجتمع معيّن , وفي زمن معيّن , وتتشكّل هذه العمليّات والخطوات من :
- دراسة الواقع , وتحليله .
- صوغ الأهداف العامّة للمنهج .
- اختيار الموضوعات العامّة الملبّية للأهداف .
- ترجمة الموضوعات إلى خبرات تفصيليّة تتّسم اختيار بالدقّة والشمول, وتنظيمها وتنسيقها بشكل يحقّق الربط والتوازن والتتابع .
- اختيار الأساليب الوسائل والنشاطات وأساليب التقويم المناسبة لتلك الخبرات .
- تجريب المنهج , وجمع الملاحظات الميدانيّة حول المنهج المجرّب .
- إعادة النظر بمكوّنات المنهج وفق الملاحظات الميدانيّة في مدارس التجريب .
- تعميم المنهج , ومتابعة تقويمه وتطويره .
وبالتالي فإنّ عمليّة تخطيط المنهج عمليّة شاملة يتضمّن معناها كلّ ما يتعلّق بهندسة المنهج , وبنائه , وتنظيمه , وتطويره , وتقويمه .  
- تطوير المنهج (Curriculum Development : هي العمليّة التي يتمّ عن طريقها تحديد الكيفيّة التي سيتمّ بها تشييد المنهج والتي تعتمد على الجوانب التالية :
أ ـ طبيعة المجتمع . ب ـ المتعلّم .ج ـ المعرفة . د ـ الأهداف ؛
ولذا يلزم أن يكون هناك تكامل بين البناء والتطوير، ولا يمكن إغفال هذا التكامل , فبناء المنهج عملية تتركّز على المنهج نفسه , بينما تتوجّه عملية تطوير المنهج نحو كيفية تشييد المنهج , فعمليات البناء والتطوير ليست عمليات تتابعيّة من الناحية الزمنية , بل تتمّ على التوازي فيما بينها.
- تحسين المنهج Curriculum Improvement
بعد أن يتمّ بناء المنهج وتطويره تأتي مرحلة التطبيق والتجريب التي تواكبها – حتّى النهاية - عمليّة التقويم , حيث تظهر من خلالها نقاط قوّة المنهج , ونقاط ضعفه , وهنا تبدأ عمليّة تعزيز نقاط القوّة , وتجاوز نقاط الضعف , وهذه العمليّة هي عمليّة تحسين ، وبذلك نحصل على المردود الذي يستفاد منها في إعادة النظر في علميات التشييد والتطوير وفي عمليات المراجعة والتحسين ، ، ثمّ يطبّق ما يتمّ التوصل إليه على أساس تجريبيّ ، وتستخدم المعلومات التي يتمّ الحصول عليها نتيجة هذا التجريب؛ بهدف المزيد من البناء والتطوير وتعديل أساليب التحسين والتطبيق .
- هندسة المنهاج Curriculum engineering
هذا المصطلح حديث نسبيّاً في ميدان المناهج بالمقارنة بالمصطلحات السابقة , وعادة ما يرتبط
هذا المصطلح بعمليّة بناء المنهج على أنّه نظام , حيث يعرّف بوشامب هندسة المنهج بأنّها كلّ العمليّات اللازمة لجعل المنهج كنظام يؤدّي وظيفته في المدرسة  .
ABDELMOUNAIM
عضوجديد
عضوجديد
الجزائر
ذكر
عدد المساهمات : 3
تاريخ التسجيل : 29/04/2010

مُساهمةABDELMOUNAIM في الأربعاء يناير 15, 2014 12:45 am

@ABDELMOUNAIM كتب:
@بلمامون كتب:مفهوم المنهج Curriculum Concept إعداد: د . غازي مفلح ، جامعة أم القرى
مفهوم المنهج
Curriculum Concept
الأهداف :
يتوقّع من الدارس بعد الاطلاع أن يكون قادراً على :
- أن يعرّف كلاًّ من المنهج التقليديّ والمنهج الحديث .
- أن يوضّح أبرز الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ .
- أن يعدّد العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج .
- أن يبيّن مكوّنات المنهج بمفهومه الحديث .
- أن يقارن بين المنهج الحديث والمنهج التقليديّ من حيث الأهداف والمكوّنات ودور كلّ من المعلّم والمتعلّم .
- أن يشرح المنهج بوصفه نظاماً .
- أن يعرّف بعض المصطلحات المتعلّقة بالمنهج .
مفهوم المنهج
Curriculum Concept
مقدّمة :
تتواتر في الدراسات الإنسانيّة بعامّة , وفي الأدب التربويّ على وجه الخصوص  كلمة منهج , ويختلف معنى هذه الكلمة بحسب السياق الذي ترد فيه , وأجمع كثير من الباحثين أنّ اليونان هم أوّل من استخدم هذه الكلمة , فهي تعني بأصل وضعها الإغريقيّ : " الطريقة التي يتّخذها الفرد , أو النهج Course   الذي يجريه ليسرع به إلى تحقيق هدف معيّن , فالمريض مثلاً حين يستهدف الشفاء من مرضه يشرب الدواء بنظام معيّن , ويمتنع عن أكل بعض المطعومات , ويخضع للحقن بدواء يصفه الطبيب , وكلّ ذلك معناه منهج هذا المريض في الوصول إلى الشفاء "  .
وفي لغتنا العربيّة نجد أنّ كلمة المنهج مأخوذة من الفعل نهج ينهج نهجاً , ورد في المعجم الوجيز ( مادّة  نهج ) " نهج الطريقُ ـَ نهجاً : وضَح واستبان , ونهج الطريقَ : بيّنه , وسلكه , ويقال : نهج نهْج فلان : سلك مسلكه , وانتهج الطريقَ : استبانه وسلكه , واستنهج سبيل فلان : سلك مسلكه , والمِنْهاج : الطريق الواضح والخطّة المرسومة , ومنه : منهاج الدراسة , ومنهاج التعليم ونحوهما , (ج ) مناهج , والمنهج : المنهاج ( ج )مناهج . "    .
وتعود  كلمة منهج Curriculum في اللغات الأجنبيّة الحديثة إلى الكلمة اللاتينيّة Currere " وتعني ( حلبة السباق )  التي يتنافس فيها المتنافسون للوصول إلى نقطة الفوز , فإذا ما نظرنا إلى منهج أي مؤسّسة تعليميّة نجده بأنّه عبارة عن مجموعة من الخطط والنظم التي تؤلّف وحدة كبيرة تهدف إلى نقل التلميذ من محطّة إلى أخرى عبر سلسلة من الإرشادات والمعارف والمهارات التي تفيده في حياته في المستقبل , وفي داخل المؤسّسة التعليميّة نجد التلاميذ يتنافسون من أجل النجاح والتفوّق في الموادّ الدراسيّة 0"   .
وقد تطوّر مفهوم المنهج في قواميس اللغة الأجنبيّة بشكل مستمرّ , فقد كانت كلمة منهج Curriculum تعني المنهج الخاصّ بالجامعة , وبهذا المعنى وردت هذه الكلمة لأوّل مرّة في قاموس ( وبستر ) طبعة عام 1856 , وفي عام 1966وردت كلمة Curriculum في قاموس ( بانكروفت ) بمعنى " سلسلة منظّمة من الدروس أعدّت للدراسة "  
        أمّا في الطبعة الثالثة من قاموس التربية  Dictionary of Education لجود Good  عام 1973 , فقد وردت لكلمة المنهج Curriculum ثلاثة تعريفات هي   :
" 1- مجموعة من المقرّرات , أو الموادّ الدراسيّة التي تلزم للتخرّج , أو الحصول على درجة علميّة في ميدان رئيس من ميادين الدراسة , مثل منهج الموادّ الاجتماعيّة , أو منهج الرياضيّات .
2- خطّة عامّة شاملة للمواد التي ينبغي أن يدرسها التلميذ في المدرسة ؛ ليحصل على درجة علميّة ( شهادة ) تؤهّله للعمل بمهنة أو حرفة .
3- مجموعة من المقرّرات والخبرات التي يكتسبها التلميذ في المدرسة أو الكليّة " .
وبذلك أصبح المنهج يعني الخبرات التي تقدّمها المدرسة لطلاّبها للوصول إلى الأهداف التربويّة , ونظراً لاختلاف الأهداف التربويّة على مرّ العصور تبعاً لاختلاف الفلسفات السائدة , فقد تغيّرت دلالة المنهج وتطوّرت وفق تغيّر هذه الأهداف وتطوّرها , غير أنّنا يمكن أن نميّز نوعين من معاني المنهج , الأوّل ويدلّ على  المنهج بمفهومه التقليديّ , و الثاني , ويدلّ على المنهج بمفهومه الحديث .
المفهوم التقليديّ للمنهج  :
تتأثّر المناهج التربويّة في أيّ مكان وزمان بالفلسفة السائدة في المجتمع ؛ فهي التي تحدّد معنى المنهج ومفهومه , فقد كانت الفلسفة الإغريقيّة  توجّه التربية إلى وضع مناهج تسهم في إعداد الطفل للمستقبل لتحقيق أهداف تتسم بالثبات ؛ لأنّها – أي الأهداف التربويّة - تعبّر عن حقائق مطلقة لا يمكن مناقشتها , فالمناهج عندهم تغاير طبيعة الطفل , وتؤكّد أهميّة العلوم والفنون , وما على الطفل سوى تعلّمها – ولو باستخدام الشدّة - بغض النظر عن درجة صعوبتها أو مدى ملاءمتها ميول الطفل واهتماماته   ؛ لأنّ هذه العلوم والفنون تستحقّ أن تعلّم لذاتها ؛ ولأنّها الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف التربويّة الساعية إلى الوصول بالطفل إلى إدراك الحقيقة المطلقة أو تغذية عقله , أو السمو بنفسه .
لقد مثّلت الفنون السبعة ( النحو والبلاغة والمنطق والحساب والهندسة والفلك والموسيقى ) محتوى المنهج الإغريقيّ , ثمّ أضيفت لهذه الفنون مع الزمن علوم أخرى كالتاريخ والجغرافية والعلوم والرسم والأشغال .
وقد ظلّت هذه الفلسفة سائدة في الأوساط التربويّة لمدّة طويلة طالت بدايات القرن العشرين , فكان المنهج في ظلّ هذه الفلسفة هو " مجموعة الموادّ الدراسيّة Subjects or Subject- Matter  التي يتولّى المتخصّصون إعدادها أو تأليفها , ويقوم المعلّمون بتنفيذها أو تدريسها , ويعمل الطلاّب على تعلّمها أو دراستها "  .
ونظر إليه بعضهم نظرة مشابهة , فقد ذكروا أنّ المنهج هو محتوى المقرّر الدراسيّ Content of the Subject-Matter , وبذلك نرى أنّ المنهج بمفهومه التقليديّ  عبارة عن المقرّرات الدراسيّة ( أو محتواها ) التي أعدّها المتخصّصون – انطلاقاً من قناعتهم بضرورتها لتحقيق الأهداف التربويّة – وكلّف المعلّمون تدريسها بأيّ أسلوب يرونه مناسباً , وطلب إلى التلميذ استظهارها وإدراك حقائقها, دون أدنى اعتبار لاستعداداته وميوله .
وبذلك نستطيع أن نقول : إنّ المنهج بمفهومه التقليديّ اقتصر على المقرّرات الدراسيّة , والمعارف والمعلومات التي تتضمّنها تلك المقرّرات , ويوضّح الشكل الآتي المنهج بمفهومه التقليديّ الضيّق :
شكل رقم (  1  ) : المنهج بمفهومه التقليديّ  
إعداد المهج التقليديّ :
تتمّ عمليّة إعداد المنهج التقليديّ وفق الخطوات الآتية :
" 1- يقوم المتخصّصون بتحديد المعلومات اللازمة لكلّ مادّة دراسيّة .
2- توزّع معلومات كلّ مادّة على المراحل الدراسيّة , وعلى كلّ صفّ في كلّ مرحلة منها .
3- تجمع معلومات كلّ مادّة في كلّ صفّ ضمن كتاب مستقلّ , هو الكتاب المدرسيّ .
4- توزّع موضوعات كلّ مادّة في كلّ كتاب على أشهر العام الدراسيّ , وعلى أسابيع كلّ شهر .
5- تحدّد الطرائق والوسائل المساعدة على تدريس كلّ موضوع , في كلّ مادّة دراسيّة .
6- تحدّ أساليب تقويم كلّ مادّة دراسيّة في كلّ صفّ .
الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ :
أصبح مفهوم المنهج بمعناه التقليديّ الذي يتمثّل بالمقرّرات الدراسيّة لا يلبّي التوجّهات التربويّة الحديثة التي نقلت مركز الاهتمام التربويّ من المادّة الدراسيّة إلى المتعلّم , فتعرّض هذا المفهوم التقليديّ للمنهج لجملة من انتقادات التربويين المجدّدين , ومن بينها ما ذكره سرحان الذي يمكن إجمال أبرز انتقاداته بما يأتي :  
" 1- اقتصار وظيفة المدرسة على الاهتمام بالجانب المعرفيّ :
اقتصرت وظيفة المدرسة على الاهتمام بالمعرفة , وأهملت جميع الجوانب النفسيّة والاجتماعيّة والفكريّة بمعناها الشامل , وقد ترتّب على ذلك في كثير من الأحيان أنّ التلاميذ كانوا يدرسون المادّة , ويحفظونها , ولكنّهم يبغضونها في الوقت نفسه ؛ وبذلك فإنّ صلتهم بما كانوا يدرسونه كانت صلة موقوتة , تنتهي بانتهاء الدراسة , وحصولهم على الشهادة ؛ وكانوا يرتدّون إلى الأميّة في مجال دراستهم بعد فترة من الزمن بسبب النسيان من جهة , وعدم القدرة على ملاحقة التطوّرات السريعة في مجال العلم والثقافة من جهة أخرى , كما ترتّب على ذلك أيضاً أنّ المعرفة التي كان التلاميذ يحصّلونها كانت من النوع الهامد الميت الذي لا يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه أو بيئته أو حياته , ولا يعدّل سلوكه , فإذا تذكّرنا أنّ التربية الحقّة إنّما تستهدف تعديل سلوك الإنسان في الاتّجاهات المطلوبة , فإننا نستطيع أن نرى مدى إخفاق التربية التي تسير وفق هذا المفهوم الضيّق للمنهج في تحقيق رسالتها الكبرى , وهي بناء الشخصيّة , وتوجيه السلوك , وبناء أجيال جديدة من البشر يقودون مسيرة الحياة . 2- العزلة بين المدرسة والحياة :
لقد أدّى الأخذ بهذا المفهوم الضيّق للمنهج إلى عزلة كبيرة بين المدرسة والحياة , فالمدرسة غارقة في اهتمامها بتحفيظ ما في الكتب من معلومات قلّما ترتبط بحياة التلاميذ ارتباطاً وثيقاً , والمدرسة لا تعدّ للحياة بجميع ما تتطلّبه من مهارات واتّصالات , وقدرة على تحمّل المسؤوليّات , وحلّ المشكلات , والمشاركة فمجالات التقدّم والإنماء .
4- إهمال الجوانب الأدائيّة والعمليّة والتطبيقيّة :
ركّز المنهج بمفهومه الضيّق على الجوانب النظريّة واللفظيّة , واتّخذ الامتحانات بصورتها التقليديّة وسيلة لتحديد مدى ما اكتسبه التلاميذ من المعرفة , وقد أدّى كلّ ذلك إلى إهمال النواحي العمليّة والتطبيقيّة , واقتصر تحصيل التلاميذ للمعرفة على أدنى مستوياتها وهو مستوى الحفظ والاسترجاع الآليّ , أمّا المستويات العليا من المعرفة , وهي الفهم والتطبيق والممارسة الذكيّة والنقد والابتكار والإبداع , فلم تكن تدخل في نطاق أهداف المدرسة القديمة .
5- تقييد حريّة المعلّم :
لقد أدّى الأخذ بالمفهوم الضيّق للمنهج إلى تقييد حريّة المعلّم , ذلك أنّه لا يستطيع أن يتحرّك إلاّ في مجال محدود , وهو مجال شرح الدروس وتحفيظها وتسميعها ؛ وبذلك أغلقت مجالات الاجتهاد والابتكار أمامه , ذلك أنّ الاجتهاد والابتكار إنّما يتجلّى في أروع صوره عندما تتعدّد الأهداف أمام المعلّم , بحيث يستطيع أن يبتكر الطرائق والأساليب لتوجيه الميول , وتنمية المواهب والاستعدادات , ورعاية القدرات
الابتكاريّة لدى التلاميذ , وتدريبهم على المهارات المنشودة , والإسهام في تقويم شخصيّاتهم , وتوجيه سلوكهم , وتحقيق أقصى ما تبلغه إمكاناتهم " .
وذكر  الخليفة  إضافة إلى الانتقادات السابقة انتقادات أخرى نتبعها إلى ما سبق , منها  :
6- إهمال حاجات المتعلّمين وميولهم :
" أهمل المنهج التقليديّ حاجات المتعلّمين وميولهم , وما بينهم من فروق فرديّة متعدّدة , فما على الطلاّب إلاّ أن يدرسوا المادّة الدراسيّة المفروضة عليهم , ويحفظونها .
7- إغفال دور القدوة الحسنة في توجيه السلوك :
أغفل هذا المنهج دور القدوة الحسنة والقيم التربويّة في توجيه السلوك ؛ إذ يعتقد أنصاره أنّ تزويد المتعلّمين بالمعارف يكفي  وحده لتوجيه سلوكهم بما يتّفق وتلك المعارف , وقد ثبت خطأ هذا الاعتقاد ؛ فالفرد لا يسلك في جميع الحالات وفقاً لعلمه ومعرفته .
8- حصر اختيار محتوى المنهج بالمتخصّصين فحسب :
اقتصر اختيار محتوى المادّة الدراسيّة وتنظيمها في كتب مدرسيّة على المتخصّصين والخبراء , الذين لا يأخذون في حسبانهم وجهة نظر المعلّمين والتلاميذ , ممّا كان له أكبر الأثر في ضعف حماسة المعلّمين للتدريس , وعزوف التلاميذ عن الدروس .
9-استبعاد الأنشطة المدرسيّة :
استبعد المعلّمون – في ظلّ المنهج التقليديّ – معظم الأنشطة المدرسيّة غير الصفّيّة , بل عدّوها مضيعة للوقت , صارفة عن الحفظ الذي يترتّب عليه النجاح في الامتحانات , وهو الهدف الأسمى للتقويم في مفهوم المنهج التقليديّ  " .  
وأضاف الشريفيّ وأحمد جملة من الانتقادات , ولا سيّما تلك التي تتعلّق بالتلميذ والمادّة الدراسيّة , ويمكن إضافتها إلى الانتقادات السابقة , وهي   :
" 10- تعويد التلاميذ السلبيّة وعدم الاعتماد على النفس :
يقوم كلّ معلّم بشرح موضوعات مادّته وتبسيطها , وعلى التلميذ أن يسمع ويستوعب ما يقوله المعلّم , وما تتضمّنه الكتب , ومن ثمّ فدور التلميذ داخل الفصل الإنصات والإصغاء والخضوع التامّ والسلبيّة المطلقة , ومن هنا نشأ التلميذ وهو معتمد على المعلّم والكتاب , وبالتالي بدأ يتعوّد السلبيّة , وعدم الاعتماد على النفس .
11- تضخّم المقرّرات الدراسيّة :
نتيجة للزيادة المستمرّة في المعرفة بشتّى جوانبها, , ونتيجة لاهتمام كلّ متخصّص بالمادّة التي اختصّ بها فقط , فقد اهتمّ مؤلّفو الموادّ الدراسيّة بإدخال الإضافات المستمرّة عليها , حتّى تضخّمت , وأصبحت عبئاً ثقيلاً على المعلّم والتلميذ , فاهتمّ الأوّل بالشرح والتلخيص , واهتمّ الثاني بالحفظ والترديد , وضاعت الأهداف التربويّة المنشودة في زحام المعلومات المتزايدة .  
12- عدم ترابط الموادّ :
أدّى اهتمام كلّ معلّم بالمادّة التي يقوم بتدريسها إلى خلق حاجز قويّ بين الموادّ الدراسيّة , وبالتالي لم يعد بينها ترابط أو تكامل , فإذا سأل التلميذ معلّمه عن معلومة معيّنة , أجاب المعلّم : إنّ إجابة هذا السؤال تخصّ معلّم مادّة أخرى ." .
وفي نهاية حديثنا عن هذه الانتقادات , يمكن أن نصنّفها وفق الجدول الآتي :
عناصر العمليّة التعليميّة النقد الموجّه إلى المنهج التقليديّ
التلميذ - التركيز على تنمية الجانب العقليّ , وإهمال جوانب النمو المختلفة.
- إهمال حاجات التلميذ وميوله ورغباته .
- إهمال مراعاة الفروق الفرديّة بين المتعلّمين .
- إهمال توجيه السلوك , وتكوين المهارات والاتّجاهات الإيجابيّة , وإغفال دور القدوة الحسنة في ذلك.
- تعويد التلميذ السلبيّة , وعدم الاهتمام أو الشعور بالمسؤوليّة.
- نفور التلميذ من الجوّ المدرسيّ , وشعوره بالملل ؛ بسبب عدم جذب اهتمامه داخل الصفّ , وفي باحة المدرسة .
- قطع التلميذ عن مشكلات بيئته .
المعلّم - تقييد حريّة المعلّم , وحرمانه من الإبداع والابتكار .
- التقليل من شأنه , وعد أخذ رأيه فيما يدرّسه .
- تحميل المعلّم جهداً كبيراً بسبب الاعتماد عليه بشكل كلّيّ في الشرح والتسميع والمتابعة والتقويم .
- شعور المعلّم بالقلق وعدم الطمأنينة نظراً لأساليب تقويمه المعتمدة على التفتيش , وتسقّط الأغلاط .
المادّة الدراسيّة - تضخّم المادّة الدراسيّة , وتضخّم المشكلات المترتّبة على ذلك , والتي تقع على كاهل كلّ من التلميذ والمعلّم وولي الأمر .
- الانفصال التامّ بين الموادّ , وعدم التكامل فيما بينها , ناهيك عن عدم التكامل بين أفرع المادّة الواحدة .
- الاهتمام بالجانب النظريّ , وإغفال الجوانب التطبيقيّة للمادّة .
- عدم ارتباط المادّة بالحياة , وبالتالي انخفاض درجة الإقبال على تعلّمها , وسرعة نسيانها بسبب عدم توظيفها في حلّ مشكلات المتعلّم .
أساليب التقويم - التركيز على تقويم المستويات الدنيا من المجال المعرفيّ ( الحفظ والاسترجاع ) .
- الاقتصار على الأسئلة المقاليّة .
- الشعور بالخوف والقلق والرهبة من أجواء الامتحانات.
الجوّ المدرسيّ العامّ - الابتعاد عن العلاقة الإنسانيّة الجاذبة ,ولا سيّما بين المعلّم الذي يسعى إلى إفراغ ما لديه من معلومات بأيّ وسيلة, والتلميذ المكره على تعلّم معلومات لا تلبّي اهتمامه , وشيوع ظواهر سلبيّة في تلك العلاقة , ومنها ظاهرة العقاب الجسديّ .  
- ابتعاد الجوّ المدرسيّ عن كلّ ما يجذب التلميذ ؛ ولذلك ظهور ما يعرّف بالتسرّب المدرسيّ على نطاق واسع , والارتداد إلى الأميّة .
- خلو الحياة المدرسيّة من الأنشطة المنهجيّة , والترويحيّة .
البيئة المحليّة - الفصل التامّ بين المدرسة والبيئة المحليّة .
- عدم تلبية مخرجات التعليم في ظلّ المنهج التقليديّ لحاجات سوق العمل المحليّة .
المنهج بمفهومه الوسع ( الحديث )
الإرهاصات  :
رأينا أنّ المناهج في ظلّ المدرسة التقليديّة ركّزت على المادّة التعليميّة , وأهملت المتعلّم , ولم تعر بالاً   لميوله ورغباته وغرائزه واهتماماته , كما أنّه لم تفسح المجال أمامه لاكتساب القيم المرغوب فيها , وصقل المهارات التي يحتاج إليها لتلبية احتياجاته , وحلّ مشكلاته , ولم تعمل على تفتّق مواهبه المختلفة , وطاقاته الكامنة ورعايتها في مختلف الجوانب , ولا سيّما الفنيّة منها , والرياضيّة , والأدبيّة ؛ وذلك من خلال وقوفها في وجه الأنشطة المدرسيّة , وعدّها نوعاً من الفوضى ومضيعة الوقت . أو أنّها ثانويّة في أحسن الأحوال .
لقد حدث التطوّر التربويّ بفعل الأفكار التجديديّة التي طرحها التربويّون المتنوّرون , فقد نادى ( روسو )  بضرورة تفاعل الطفل مع الطبيعة , وعدّها أفضل من معلّم ,  فهي التي تكسبه المعرفة , وهي التي تجعله قادراً على استخدام عقله لمواجهة مشكلاته  وحلّها .
أمّا المربّي ( جون ديويّ )  قد أشار في كتابه [ المدرسة والمجتمع ] إلى سلبيّات الحياة المدرسيّة في ظلّ المنهج القديم والتربية التقليديّة  , ولخّصها بأنّه وضعت كلاًّ من المعلّم المادّة في مركز جاذبيّة العمليّة التربويّة , بينما بقس المتعلّم خارج دائرة هذه  الجاذبيّة .
لقد نقلت التربية الحديثة الطفل من هامش العمليّة التربويّة إلى مركزها , فأحدثت بذلك ثورة تربويّة أدّت إلى تطوير العمليّة التربويّة برمّتها , تماماً كما أحدث كوبرنيكوس ثورة علميّة بنقله مركز الجاذبيّة من الأرض إلى الشمس. أسهب في ذلك في وصف واقع المدرسة القديمة قائلاً:
وتوالت الدعوات من قبل العلماء والمفكرين ؛ لإعادة النظر في المناهج الدراسية والتربوية من أجل تحويل المدرسة إلى صورة مصغرة من المجتمع مع شيء من التهذيب , وبما يتناسب والأهداف التربويّة الموضوعة ؛ لكي يمارس التلاميذ حياتهم الفعلية والطبيعيّة فيها ، ويستنبطوا الحقائق , ويتوصّلوا إلى التعميمات بأنفسهم ، ويكتسبوا القيم والاتّجاهات والمهارات بتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة والبيئة المحليّة ؛ وليصبح الكتاب والمعّلم مصدرين من مصادر التعلّم , وليسا المصدرين الوحيدين .
لقد أصبحت المدرسة حياة قائمة بذاتها في جدّها ولعبها وتفاعلاتها , وعاش المتعلّم طفولته من أجل مستقبله , وأصبحت الوظيفة التقليديّة للمدرسة بأنّها إعداد للحياة متخلّفة وقاصرة .
وكان لابدّ للتربية من مفهوم جديد للمنهج المدرسيّ ينسجم والتوجّهات التربويّة الحديثة , ومن هنا كانت ولادة المفهوم الحديث الواسع .  
المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
وردت في كتب المناهج تعريفات عديدة للمنهج بمفهومه الحديث , وجاءت هذه التعريفات متقاربة إلى حدّ بعيد , بل نستطيع القول إنّ بعضها كان متطابقاً , فهو "مجموعة الخبرات التربويّة , والاجتماعيّة , والثقافيّة , والرياضيّة , والفنّيّة التي تخطّطها المدرسة , وتهيّئها لتلاميذها ؛ ليقوموا بتعلّمها داخل المدرسة أو خارجها بهدف إكسابهم أنماطاً من السلوك أو تعديل أو تغيير أنماط أخرى من السلوك نحو الاتّجاه المرغوب فيه , ومن خلال ممارستهم لجميع الأنشطة اللازمة والمصاحبة لتعلّم تلك الخبرات بما يساعدهم في إتمام نموّهم "   .
وهو " مجموع الخبرات التربويّة ( الثقافيّة والرياضيّة والاجتماعيّة والفنّيّة التي تهيئها المدرسة لتلاميذها داخل المدرسة وخارجها بقصد مساعدتهم على النموّ الشامل في جميع النواحي الجسميّة  والعقليّة والاجتماعيّة والانفعاليّة , وتعديل سلوكهم طبقاً لأهدافها التربويّة "   .
وهو " كلّ الخبرات , أو الأنشطة ,أو الممارسات المخططة والهادفة التي توفرها المدرسة لمساعدة المتعلّمين على تحقيق النتاجات التعليميّة المنشودة بأفضل ما تستطيعه قدراتهم سواء كان ذلك داخل قاعة الدرس أو خارجها."  
وذكر الخليفة بأنّ المنهج هو " مجموعة من الخبرات والأنشطة التي تقدّمها المدرسة للتلاميذ داخلها وخارجها , بقصد مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل , الذي يؤدّي إلى تعديل سلوكهم , ويضمن تفاعلهم مع بيئتهم ومجتمعهم , ويجعلهم يبتكرون حلولاً مناسبة لما يوجههم من مشكلات "  .
وبذلك فإنّ المفهوم الحديث للمنهج يتّصف بالخصائص الآتية :
1. يشتمل المنهج الحديث على جميع الخبرات والأنشطة الصفيّة وغير الصفيّة التي تقدّمها المدرسة , وتشرف على تنظيمها ؛ من أجل تحقيق أهداف محدّدة تشتمل تنمية المتعلّم من مختلف النواحي , وإكسابه المهارات الضروريّة لمجابهة تحدّيات الحياة , وزرع القيم والاتّجاهات الإيجابيّة نحو ذاته , ونحو الآخرين , ونحو العالم برمّته , والعمل على تعديل سلوكه بما يتوافق والمعرف والمهارات والقيم المكتسبة .
2. العمل التشاركيّ في إعداده , فمن الواضح أنّ تلك الخبرات المتنوّعة التي يشتمل عليها المنهج الحديث لا تستطيع جهة واحدة بعينها إعدادها واختيارها ؛ ولذلك يشترك في وضع تلك الخبرات عدد كبير من الأكاديميين والتربويين والمعلّمين من مختلف التخصّصات , ورجال الفكر والسياسة, وأرباب العمل والاقتصاد , إضافة إلى عينة من الفئة التي يستهدفها المنهج , وبعض أولياء الأمور من ذوي الثقافات المختلفة والمتفاوتة , وبذلك فإنّ المنهج الحديث يعدّ بأسلوب تشاركيّ تعاونيّ من الجهات التي يعنيها الأمر كافّة , وبشكل يحقّق التوازن والتكامل بين الخبرات .
3. يستند المنهج الحديث إلى رؤية واضحة تراعي الفلسفة التربويّة السائدة , وما أكّدته العلوم النفسيّة , ونظريّات التعلّم ؛ وما يناسب منها لكلّ فئة عمريّة , وما أثبتته الدراسات الرصينة في مجالي التعلّم والتعليم ؛ لتحقيق أفضل نموّ متكامل للمتعلّم  , وذلك من خلال تنويع الطرائق والأساليب التدريسيّة والتقويميّة , ومراعاة الفروق الفرديّة , وتوفير بيئة تعليميّة تعلّميّة آمنة وجاذبة  .
4. يسعى المنهج الحديث إلى توظيف المبتكرات العلميّة لتحقيق أهدافه , ولا سيّما تلك المبتكرات المتعلّقة بتكنولوجيا التعليم , ومصادر التعلّم الحديثة , واستغلال شبكة الاتّصالات الدوليّة للحصول على أحدث ما يستجدّ في مجال العلوم التربويّة والنفسيّة والأكاديميّة .
5. يعمل المنهج الحديث على مراعاة المجتمع وقيمه, وتعزيز قيمه وثقافته , وتلبية حاجاته , من خلال ربط مخرجات التعليم بمتطلّبات سوق العمل , ولذلك تنفتح المدرسة على البيئة لتعرّف ما يتوافر فيها من مصادر إضافيّة للتعلّم , وما تواجهه من تحدّيات ومشكلات , وما تزخر به من قيم وتوجّهات , فتفيد المدرسة من البيئة , وفي الوقت نفسه تعمل على إمدادها بمخرجات بشريّة يسهمون في تطويرها , وحلّ مشكلاتها , وإحداث التغيير الإيجابيّ فيها , وهذا ما يؤكّد الصفة الاجتماعيّة للمنهج الحديث .
6. يؤكّد المنهج الحديث ضرورة العمل الجماعيّ التعاونيّ المشترك , ويقدّر الإبداع الفرديّ ؛ ويعمل على إكساب المتعلّم مهارات جديدة تتعلّق بالتعلّم الجماعيّ , والتعلّم ضمن الفريق , والتعلّم الذاتيّ  , كما يعمل على إكساب المتعلّم قيم قبول الآخر واحترام رأيه , وتقبّل النقد , والعمل الشوريّ الديمقراطيّ , والاعتماد على الذات  , وتحمّل المسؤوليّة , واحترام العمل اليدويّ .
7. يعمل المنهج الحديث على ربط ما هو نظريّ بما هو تطبيقيّ , من خلال النشاط المدرسيّ الهادف ؛ وذلك من أجل تعزيز الخبرات , وتحويلها إلى خبرات مربّية .
8. يهتمّ المنهج الحديث بمختلف مستويات المجال المعرفيّ , ويركّز على المستويات العليا للمعرفة , ومهارات التفكير العلميّ والناقد والإبداعيّ ؛ للانتقال بالمتعلّم من الاهتمام بواقع المعرفة وبنيتها إلى الاهتمام بطريقة البحث في هذه البنية من أجل تطويرها .
العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج :
1.   التغيّرات الثقافيّة والاجتماعيّة الناتجة عن التطوّر العلميّ والتكنولوجيّ, وما ترتّب عليها من تغيّرات في القيم والمفاهيم والاتّجاهات والنظرة إلى الحياة والإنسان .
2.     التغير الذي طرأ على أهداف التربية نتيجة التغيّرات السابقة , وما استتبع ذلك من تغيّر النظرة إلى وظيفة المدرسة, وضرورة مواكبتها التطوّرات التي حصلت في ميادين العلوم المختلفة , ولا سيّما ميدان علم النفس والعلوم التربويّة والاجتماعيّة , وتلبيتها حاجات المجتمع إلى القوى البشريّة القادرة على النهوض به , والوفاء بأهدافه .
3.     نتائج البحوث والدراسات التربويّة التي سلّطت الضوء على نواحي القصور في المنهج التقليديّ , وأوصت بتطويره والأخذ بالمفهوم الواسع للمنهج .
4.     نتائج البحوث والدراسات التي تناولت المتعلّم , وخصائص نموّه , ومتطلّبات كلّ مرحلة من مراحل هذا النموّ , وحاجاته وميوله , وسيكولوجيّة تعلّمه , وطبيعة عمليّة التعلّم ذاتها , والنظريّات التي تناولتها , كلّ ذلك أدّى إلى إعادة النظر بأهداف المنهج الدراسيّ , ومكوّناته الأخرى محتوى , وطرائق , ووسائل , وأنشطة  , وأساليب تقويم , فلم يعد المنهج التقليدي الذي يهدف إلى تنمية الجانب المعرفيّ قادراً على تنمية المتعلّم تنمية شاملة متكاملة , تلك التنمية التي دعت إليها التربية الحديثة , وأصبح من الضروريّ إعادة النظر بالمنهج المدرسيّ  , والانتقال به من المفهوم التقليديّ الضيّق إلى مفهوم حديث أرحب وأوسع وأشمل .
5. طبيعة المنهج التربويّ نفسه, فهو انعكاس للواقع الفكريّ والاجتماعيّ السائد في البيئة والمجتمع ؛ وبالتالي فمن الطبيعيّ أن يأخذ المنهج التربويّ التغيّرات الحاصلة في الحسبان , ويسعى إلى تحقيق الأهداف المستحدثة في المجتمع نتيجة التحوّلات الثقافيّة والفكريّة , وليس المنهج تابعاً للمجتمع فحسب , بل هو عامل تغيير وتطوير مستمرّ له , وبالتالي فهو المحرّض والمهيّئ لعمليّة التغيير الاجتماعيّ ؛ بحيث يتيح للمجتمع توظيف المستجدّات العالميّة لصالحه , ولا سيّما في عصر أصبح العالم فيه قرية صغيرة ,  فالعلاقة بين المنهج والمجتمع علاقة تفاعليّة متبادلة ومستمرّة .
مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع :
لم يقتصر المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) على المقرّرات الدراسيّة فحسب , كما كان المنهج التقليديّ الضيّق , بل اشتمل على كلّ ما له علاقة بالعمليّة التعليميّة التعلّميّة , فهو يشتمل على مكوّنات عديدة هي : الأهداف , المقرّر ,  المحتوى , الكتب والمراجع , النشاطات , طرائق التدريس وأساليبه , الوسائل والموادّ التعليميّة , أساليب التقويم , المرافق المدرسيّة , وسنتطرّق إلى هذه المكوّنات عند حديثنا عن مكوّنات المنهج , والشكل الآتي يوضّح مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
المنهج بوصفه منظومة أو نظاماً System :
لم يعرف المنهج على أنّه علم ومجال للدراسة إلاّ في بداية القرن الماضي ( القرن العشرين ) " حيث تتابعت النظريّات والاجتهادات التربويّة في سبيل تطوير المنهج , وإيجاد نظام له , ونتيجة لتلك الجهود التربويّة برز لدينا نظام يكاد يكون هو السائد في مجتمع العصر الحاضر , ويتمثّل هذا النظام للمنهج في مدخلات وعمليّات ومخرجات وتغذية راجعة "  
وقد انتقل مفهوم النظام من العلوم البيولوجيّة التي اهتمّت بجسم الكائن الحيّ , وما يتضمّنه من أجهزة أو أنظمة مفردها نظام  System ( النظام الهضميّ , النظام الدوريّ , النظام التنفّسيّ , النظام الإخراجيّ , النظام العصبيّ  إلخ ....) إلى العلوم التربويّة , " والأساس  في مصطلح النظام أنّه يتكوّن من مجموعة من الأجزاء أو المكوّنات التي ترتبط فيما بينها ارتباطاً عضويّاً وثيقاً بحيث يؤثّر كلّ منها في غيره , ويتأثّر به  "   .
ومصلح النظام في المنهج يعني أنّه يتشكّل من مجموعة من العناصر أو المكوّنات المترابطة المتشابكة المتفاعلة فيما بينها ( الأهداف , المحتوى , الطرائق , الوسائل , الأنشطة , أساليب التقويم إلخ .... ) , بحيث يؤثّر  كلّ مكوّن في بقيّة المكوّنات ويتأثّر بها .
إن الأخذ بالمدخل المنظوميّ في علم المنهج  لا يقتصر على حتميّة الترابط والتكامل والتشابك بين مكوّنات منظومة المنهج , والتي يشكّل كلّ منها نظاماً أصغر ضمن منظومة المنهج , وإنّما يتجاوز ذلك إلى تبادل العلاقة والتأثّر والتأثير بين منظومة المنهج ككلّ , والمنظومات الأخرى الأكبر ذات الصلة , فالمنهج كنظام هو مكوّن واحد من نظام آخر أكبر  هو التربية , والتربية بدورها مكوّن من نظام أكبر هو المجتمع , وهكذا ...
وبذلك يتّضح أنّ المنظومة دائمة التفاعل والتأثّر والتأثير بين المنظومات الأصغر التي تنضوي في بنيتها , والمنظومات الأكبر التي هي جزء من شبكتها وبنيتها .
ويوضّح الشكل الآتي موقع منظومة المنهج من المنظومات الأخرى الأكبر :
--------------------------------------------------
ولا تكمن أهميّة المنظومة من المكوّنات والعناصر التي تتشكّل منها , وإنّما تكمن أهميّتها في مدى تفاعل هذه المكوّنات فيما بينها للوصول إلى نتاجات ذات معايير حدّدت سلفاً في الأهداف التي يتوخّى تحقيقها من تفاعل هذه المكوّنات , ومن هنا يمكن تشبيه المنظومة بمعمل أقيم لإنتاج مادّة معيّنة , ذات مواصفات ومعايير محدّدة , ثمّ زوّد هذا المعمل بالموادّ والخامات الأوليّة لإنتاج هذه المادّة , ووفّرت الشروط اللازمة لتفاعل هذه الموادّ , ونتيجة لتفاعل هذه الموادّ فيما بينها داخل المعمل , يتمّ الوصول إلى الإنتاج المحدّد , فإذا كانت المادّة المنتجة لا تفي بالمواصفات والمعايير المحدّدة , كان لا بدّ من إعادة النظر بهذه المعايير أو إعادة النظر بالموادّ الأوليّة , أو إعادة النظر بالشروط التي حدثت في ظلّها التفاعلات بين الموادّ الأوليّة داخل المعمل , وهذا ما يعرف بالتغذية الراجعة , وبذلك يمكن القول بأنّ المنهج كمنظومة يتكوّن من المكوّنات الآتية :
1- المعلّم والتلميذ والأهداف والمحتوى والطرائق والوسائل والأنشطة  وأساليب التقويم وتسمّى ( مدخلات المنهج ) .
2- التفاعلات التي تجري ضمن الشروط التي وفّرتها  المدرسة بين تلك المكوّنات , ولا سيما بين المعلّم وما لديه من معلومات وما يستخدمه من طرائق وأساليب ووسائل وعلاقات إنسانيّة , وما يوفّره من أنشطة , وما يستخدمه من أساليب تقويم , وبين التلميذ , وما يقوم به من نشاط , وتفاعل مع المعلّم وزملائه , ومع مصادر التعلّم  المتوافرة في المدرسة ( كتب , مراجع , نشاط تعلّميّ تعاونيّ , وتعلّم ذاتي , علاقات صفيّة ومدرسيّة وغير ذلك ) , وهذا ما يسمّى بـ ( العمليّات ) .
3- المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم التي اكتسبها التلميذ نتيجة مروره بالتفاعلات السابق , وهذا ما يسمّى بـ ( المخرجات ) .
4- التأكّد من مدى اكتساب التلميذ المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم وفقاً للأهداف الموضوعة , فإذا تحقّقت الأهداف كما هو مطلوب , تمّ تعزيز المدخلات والعمليّات , أ مّا إذا لم تتحقّق الأهداف كما هو مطلوب , فلا بدّ من العودة إلى المدخلات أو العمليّات , وإعادة النظر فيها , أو في بعضها ؛ لتعديلها , وتحسينها ؛ من أجل أن يتمّ الوصول إلى المخرجات بالشكل المطلوب , وهذا ما يسمّى بـ ( التغذية الراجعة ) .
ويوضّح الشكل الآتي مكوّنات المنهج على أنّه نظام :
المدخلات                       العمليّات                                   المخرجات
-الأهداف التربويّة
-المجتمع وقيمه وعاداته .
-المتعلّمون وحاجاتهم وخبراتهم .
- المعلّمون والمشرفون وما لديهم من خبرات ومهارات .
-الكتب والمراجع والموادّ التعليميّة .
-المرافق والإمكانات المادّيّة في المدرسة والبيئة . - تدريب كلّ من المشرف والمدير والمعلّم في تنفيذ المنهج .
- فاعليّة كلّ من المعلّم والمتعلّم ووليّ الآمر في تنفيذ المنهج .
-متابعة تجريب المنهج وتطويره على مختلف المستويات .
- الإفادة من البيئة كأحد مصادر التعلّم  .
تحقيق أهداف المنهج من خلال التنمية الشاملة المتكاملة للمتعلّمين التي تتمثّل باكتسابهم الخبرات , وتعديل السلوك نحو ما هو مرغوب فيه .
التغذية الراجعة
إنّ فعّاليّة منظومة المنهج تقاس بدرجة التطابق بين مخرجاتها والأهداف التي حدّدت سلفاً , والتي بنيت المنظومة من أجلها , كما تتحدّد من مرونتها , بحيث تستطيع تطوير مكوّناتها لتواكب ما يستجدّ في مختلف المؤثّرات التي تؤثّر في المنهج , سواء أكانت هذه المؤثّرات داخليّة من بنية المنهج ذاته , أم خارجيّة من المنظومات الأخرى الأكبر.
إنّ مفهوم المنهج بوصفه نظاماً يقتضي منّا النظر إليه نظرة شاملة لا تغفل المؤثّرات الداخليّة والخارجيّة التي لا تنفكّ تؤثّر في المنهج , ومكوّناته , وتترك بصماتها البيّنة فيه , وبذلك فإنها دائمة التغيّر والتطوّر ؛ لاتصافها بالحيويّة والديناميّة , فهي انعكاس لمنظومة الحياة ذاتها , والحياة منظومة دائمة التغيّر والتطوّر .                
1- المنهج الظاهر والمنهج المستتر أو الخفي :
يتردّد في علم المناهج ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ والمنهج الظاهر أو الرسميّ  , فما المقصود بكلّ منهما , وللإجابة عن هذا السؤال نرى أنّ التسمية تدلّ على المسمّى , فالمنهج الظاهر  أو الرسميّ هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , وبالتالي فإنّ معظم ما يكتسبه المتعلّمون يكون نتيجة لتفاعلهم المنظّم والمخطّط مع مكوّنات ذلك المنهج , وهو ( المنهج الظاهر ) , إلاّ أنّنا نكتشف أنّ ثمّة خبرات أخرى اكتسبها المتعلّمون لم يتضمّنها المنهج الظاهر أو الرسميّ , ولم يخطّط لاكتسابها , فمن أين اكتسب المتعلّمون هذه الخبرات ؟
إنّ تفاعل التلاميذ فيما بينهم داخل الفصل وخارجه , وتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة بكل ّمكوّناتها ومرافقها أكسبهم خبرات جديدة لم تقصد المدرسة إكسابهم إيّاها , وكأنّ تعلّماً حدث خارج سيطرة المدرسة , هذا التعلّم غير المقصود هو المسؤول عن الخبرات المكتسبة خارج نطاق المنهج الرسميّ هو ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ .
- المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ :
المنهج الرسميّ كما وضّحناه في الفقرة السابقة هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , أمّا المنهج الواقعيّ فهو الصورة الحقيقيّة للمنهج عند تطبيقه على أرض الواقع , فقد يكون هناك اختلاف واضح بين ما ورد في المنهج الرسميّ وما يطبّق فعلاً على أرض الواقع , وقد يظهر التقارب والانسجام , بل قد يبدو ما يطبّق على أرض الواقع هو المنهج الرسميّ كما وضع , بكلّ مكوّناته , ويعود السبب في التفاوت بين المنهجين الواقعيّ والرسميّ إلى مستوى فهم كلّ فرد في الميدان التربويّ مضمون المنهج الرسميّ وأهدافه , ودرجة حماسته أو تأييده ما تضمّنه المنهج الرسميّ , ولكي تزول الهوّة بين المنهجين لابدّ من استمرار التواصل بين مخطّطي المناهج ومصمميها والقائمين على تنفيذها في الميدان , وقد ذكر  جلاتهورن نقلااً عن مولين دبارك عدّة أمور يمكن أن ترفع من مستوى تطبيق المنهج بحيث تقلّل الهوّة الفاصلة بين النظريّة والتطبيق , أي بين المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ , وهي :
1- توفير الموادّ التعليميّة المساعدة للمنهج الجديد .
2- تشجيع مديري المدارس على تحمّل مسؤوليّة تطبيق المنهج الجديد في مدارسهم , وإعطاؤهم التدريب الضروريّ لذلك .
3- تبنّي مديري المدارس المنهج الجديد , واقتناعهم به .
4- تهيئة الفرص للمعلّمين لتبادل الرأي حول المنهج الجديد .
5- مساهمة المعلّمين في المنهج الجديد , تدريب المعلّمين على المنهج الجديد . تأييد المجتمع للمنهج الجديد . "  .
- تخطيط المنهج :
تناول التربويون مصطلح تخطيط المنهج بشكل مسهب , فهو عند بعضهم : " عبارة عن تصوّر لما ينبغي أن يكون عليه المنهج , من حيث التصميم ( تحديد الأهداف , واختيار المحتوى وتنظيمه ) , وكذلك الصورة التي يجب أن يكون عليها تنفيذ المنهج 0 جميع الممارسات الخاصّة بمعالجته في الواقع , أو الميدان التربويّ ) , بالإضافة إلى عمليّة التقويم التي يجب أن يراعيها المنهج , من حيث تحديد أساليب التقويم التي توضّح العائد التعليميّ / التعلّميّ لدى الطلاّب ؛ للإستفادة من ذلك في تحسين المنهج وتطويره "
وعرّفه السامرّائيّ وزميلاه بأنّه : " جميع العمليّات اللازمة للتخطيط نفسه , ابتداء من تلك الفكرة التي تخطر ببال الإنسان ليخطّط , إلى أن يصل إلى كتابة الوثيقة أي ( المنهج ) ."   .
فالمقصود بتخطيط المنهج هو كلّ الخطوات والعمليّات التي يقوم به خبراء المناهج لوضع منهج يتّصف بالمعايير  السائدة المعتمدة للمنهج في مجتمع معيّن , وفي زمن معيّن , وتتشكّل هذه العمليّات والخطوات من :
- دراسة الواقع , وتحليله .
- صوغ الأهداف العامّة للمنهج .
- اختيار الموضوعات العامّة الملبّية للأهداف .
- ترجمة الموضوعات إلى خبرات تفصيليّة تتّسم اختيار بالدقّة والشمول, وتنظيمها وتنسيقها بشكل يحقّق الربط والتوازن والتتابع .
- اختيار الأساليب الوسائل والنشاطات وأساليب التقويم المناسبة لتلك الخبرات .
- تجريب المنهج , وجمع الملاحظات الميدانيّة حول المنهج المجرّب .
- إعادة النظر بمكوّنات المنهج وفق الملاحظات الميدانيّة في مدارس التجريب .
- تعميم المنهج , ومتابعة تقويمه وتطويره .
وبالتالي فإنّ عمليّة تخطيط المنهج عمليّة شاملة يتضمّن معناها كلّ ما يتعلّق بهندسة المنهج , وبنائه , وتنظيمه , وتطويره , وتقويمه .  
- تطوير المنهج (Curriculum Development : هي العمليّة التي يتمّ عن طريقها تحديد الكيفيّة التي سيتمّ بها تشييد المنهج والتي تعتمد على الجوانب التالية :
أ ـ طبيعة المجتمع . ب ـ المتعلّم .ج ـ المعرفة . د ـ الأهداف ؛
ولذا يلزم أن يكون هناك تكامل بين البناء والتطوير، ولا يمكن إغفال هذا التكامل , فبناء المنهج عملية تتركّز على المنهج نفسه , بينما تتوجّه عملية تطوير المنهج نحو كيفية تشييد المنهج , فعمليات البناء والتطوير ليست عمليات تتابعيّة من الناحية الزمنية , بل تتمّ على التوازي فيما بينها.
- تحسين المنهج Curriculum Improvement
بعد أن يتمّ بناء المنهج وتطويره تأتي مرحلة التطبيق والتجريب التي تواكبها – حتّى النهاية - عمليّة التقويم , حيث تظهر من خلالها نقاط قوّة المنهج , ونقاط ضعفه , وهنا تبدأ عمليّة تعزيز نقاط القوّة , وتجاوز نقاط الضعف , وهذه العمليّة هي عمليّة تحسين ، وبذلك نحصل على المردود الذي يستفاد منها في إعادة النظر في علميات التشييد والتطوير وفي عمليات المراجعة والتحسين ، ، ثمّ يطبّق ما يتمّ التوصل إليه على أساس تجريبيّ ، وتستخدم المعلومات التي يتمّ الحصول عليها نتيجة هذا التجريب؛ بهدف المزيد من البناء والتطوير وتعديل أساليب التحسين والتطبيق .
- هندسة المنهاج Curriculum engineering
هذا المصطلح حديث نسبيّاً في ميدان المناهج بالمقارنة بالمصطلحات السابقة , وعادة ما يرتبط
هذا المصطلح بعمليّة بناء المنهج على أنّه نظام , حيث يعرّف بوشامب هندسة المنهج بأنّها كلّ العمليّات اللازمة لجعل المنهج كنظام يؤدّي وظيفته في المدرسة  .
ABDELMOUNAIM
عضوجديد
عضوجديد
الجزائر
ذكر
عدد المساهمات : 3
تاريخ التسجيل : 29/04/2010

مُساهمةABDELMOUNAIM في الأربعاء يناير 15, 2014 12:51 am

[quote="بلمامون"]مفهوم المنهج Curriculum Concept إعداد: د . غازي مفلح ، جامعة أم القرى
مفهوم المنهج

Curriculum Concept
الأهداف :
يتوقّع من الدارس بعد الاطلاع أن يكون قادراً على :
- أن يعرّف كلاًّ من المنهج التقليديّ والمنهج الحديث .
- أن يوضّح أبرز الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ .
- أن يعدّد العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج .
- أن يبيّن مكوّنات المنهج بمفهومه الحديث .
- أن يقارن بين المنهج الحديث والمنهج التقليديّ من حيث الأهداف والمكوّنات ودور كلّ من المعلّم والمتعلّم .
- أن يشرح المنهج بوصفه نظاماً .
- أن يعرّف بعض المصطلحات المتعلّقة بالمنهج .
مفهوم المنهج
Curriculum Concept
مقدّمة :
تتواتر في الدراسات الإنسانيّة بعامّة , وفي الأدب التربويّ على وجه الخصوص  كلمة منهج , ويختلف معنى هذه الكلمة بحسب السياق الذي ترد فيه , وأجمع كثير من الباحثين أنّ اليونان هم أوّل من استخدم هذه الكلمة , فهي تعني بأصل وضعها الإغريقيّ : " الطريقة التي يتّخذها الفرد , أو النهج Course   الذي يجريه ليسرع به إلى تحقيق هدف معيّن , فالمريض مثلاً حين يستهدف الشفاء من مرضه يشرب الدواء بنظام معيّن , ويمتنع عن أكل بعض المطعومات , ويخضع للحقن بدواء يصفه الطبيب , وكلّ ذلك معناه منهج هذا المريض في الوصول إلى الشفاء "  .
وفي لغتنا العربيّة نجد أنّ كلمة المنهج مأخوذة من الفعل نهج ينهج نهجاً , ورد في المعجم الوجيز ( مادّة  نهج ) " نهج الطريقُ ـَ نهجاً : وضَح واستبان , ونهج الطريقَ : بيّنه , وسلكه , ويقال : نهج نهْج فلان : سلك مسلكه , وانتهج الطريقَ : استبانه وسلكه , واستنهج سبيل فلان : سلك مسلكه , والمِنْهاج : الطريق الواضح والخطّة المرسومة , ومنه : منهاج الدراسة , ومنهاج التعليم ونحوهما , (ج ) مناهج , والمنهج : المنهاج ( ج )مناهج . "    .
وتعود  كلمة منهج Curriculum في اللغات الأجنبيّة الحديثة إلى الكلمة اللاتينيّة Currere " وتعني ( حلبة السباق )  التي يتنافس فيها المتنافسون للوصول إلى نقطة الفوز , فإذا ما نظرنا إلى منهج أي مؤسّسة تعليميّة نجده بأنّه عبارة عن مجموعة من الخطط والنظم التي تؤلّف وحدة كبيرة تهدف إلى نقل التلميذ من محطّة إلى أخرى عبر سلسلة من الإرشادات والمعارف والمهارات التي تفيده في حياته في المستقبل , وفي داخل المؤسّسة التعليميّة نجد التلاميذ يتنافسون من أجل النجاح والتفوّق في الموادّ الدراسيّة 0"   .
وقد تطوّر مفهوم المنهج في قواميس اللغة الأجنبيّة بشكل مستمرّ , فقد كانت كلمة منهج Curriculum تعني المنهج الخاصّ بالجامعة , وبهذا المعنى وردت هذه الكلمة لأوّل مرّة في قاموس ( وبستر ) طبعة عام 1856 , وفي عام 1966وردت كلمة Curriculum في قاموس ( بانكروفت ) بمعنى " سلسلة منظّمة من الدروس أعدّت للدراسة "  
        أمّا في الطبعة الثالثة من قاموس التربية  Dictionary of Education لجود Good  عام 1973 , فقد وردت لكلمة المنهج Curriculum ثلاثة تعريفات هي   :
" 1- مجموعة من المقرّرات , أو الموادّ الدراسيّة التي تلزم للتخرّج , أو الحصول على درجة علميّة في ميدان رئيس من ميادين الدراسة , مثل منهج الموادّ الاجتماعيّة , أو منهج الرياضيّات .
2- خطّة عامّة شاملة للمواد التي ينبغي أن يدرسها التلميذ في المدرسة ؛ ليحصل على درجة علميّة ( شهادة ) تؤهّله للعمل بمهنة أو حرفة .
3- مجموعة من المقرّرات والخبرات التي يكتسبها التلميذ في المدرسة أو الكليّة " .
وبذلك أصبح المنهج يعني الخبرات التي تقدّمها المدرسة لطلاّبها للوصول إلى الأهداف التربويّة , ونظراً لاختلاف الأهداف التربويّة على مرّ العصور تبعاً لاختلاف الفلسفات السائدة , فقد تغيّرت دلالة المنهج وتطوّرت وفق تغيّر هذه الأهداف وتطوّرها , غير أنّنا يمكن أن نميّز نوعين من معاني المنهج , الأوّل ويدلّ على  المنهج بمفهومه التقليديّ , و الثاني , ويدلّ على المنهج بمفهومه الحديث .
المفهوم التقليديّ للمنهج  :
تتأثّر المناهج التربويّة في أيّ مكان وزمان بالفلسفة السائدة في المجتمع ؛ فهي التي تحدّد معنى المنهج ومفهومه , فقد كانت الفلسفة الإغريقيّة  توجّه التربية إلى وضع مناهج تسهم في إعداد الطفل للمستقبل لتحقيق أهداف تتسم بالثبات ؛ لأنّها – أي الأهداف التربويّة - تعبّر عن حقائق مطلقة لا يمكن مناقشتها , فالمناهج عندهم تغاير طبيعة الطفل , وتؤكّد أهميّة العلوم والفنون , وما على الطفل سوى تعلّمها – ولو باستخدام الشدّة - بغض النظر عن درجة صعوبتها أو مدى ملاءمتها ميول الطفل واهتماماته   ؛ لأنّ هذه العلوم والفنون تستحقّ أن تعلّم لذاتها ؛ ولأنّها الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف التربويّة الساعية إلى الوصول بالطفل إلى إدراك الحقيقة المطلقة أو تغذية عقله , أو السمو بنفسه .
لقد مثّلت الفنون السبعة ( النحو والبلاغة والمنطق والحساب والهندسة والفلك والموسيقى ) محتوى المنهج الإغريقيّ , ثمّ أضيفت لهذه الفنون مع الزمن علوم أخرى كالتاريخ والجغرافية والعلوم والرسم والأشغال .
وقد ظلّت هذه الفلسفة سائدة في الأوساط التربويّة لمدّة طويلة طالت بدايات القرن العشرين , فكان المنهج في ظلّ هذه الفلسفة هو " مجموعة الموادّ الدراسيّة Subjects or Subject- Matter  التي يتولّى المتخصّصون إعدادها أو تأليفها , ويقوم المعلّمون بتنفيذها أو تدريسها , ويعمل الطلاّب على تعلّمها أو دراستها "  .
ونظر إليه بعضهم نظرة مشابهة , فقد ذكروا أنّ المنهج هو محتوى المقرّر الدراسيّ Content of the Subject-Matter , وبذلك نرى أنّ المنهج بمفهومه التقليديّ  عبارة عن المقرّرات الدراسيّة ( أو محتواها ) التي أعدّها المتخصّصون – انطلاقاً من قناعتهم بضرورتها لتحقيق الأهداف التربويّة – وكلّف المعلّمون تدريسها بأيّ أسلوب يرونه مناسباً , وطلب إلى التلميذ استظهارها وإدراك حقائقها, دون أدنى اعتبار لاستعداداته وميوله .
وبذلك نستطيع أن نقول : إنّ المنهج بمفهومه التقليديّ اقتصر على المقرّرات الدراسيّة , والمعارف والمعلومات التي تتضمّنها تلك المقرّرات , ويوضّح الشكل الآتي المنهج بمفهومه التقليديّ الضيّق :
شكل رقم (  1  ) : المنهج بمفهومه التقليديّ  
إعداد المهج التقليديّ :
تتمّ عمليّة إعداد المنهج التقليديّ وفق الخطوات الآتية :
" 1- يقوم المتخصّصون بتحديد المعلومات اللازمة لكلّ مادّة دراسيّة .
2- توزّع معلومات كلّ مادّة على المراحل الدراسيّة , وعلى كلّ صفّ في كلّ مرحلة منها .
3- تجمع معلومات كلّ مادّة في كلّ صفّ ضمن كتاب مستقلّ , هو الكتاب المدرسيّ .
4- توزّع موضوعات كلّ مادّة في كلّ كتاب على أشهر العام الدراسيّ , وعلى أسابيع كلّ شهر .
5- تحدّد الطرائق والوسائل المساعدة على تدريس كلّ موضوع , في كلّ مادّة دراسيّة .
6- تحدّ أساليب تقويم كلّ مادّة دراسيّة في كلّ صفّ .
الانتقادات الموجّهة إلى المنهج التقليديّ :
أصبح مفهوم المنهج بمعناه التقليديّ الذي يتمثّل بالمقرّرات الدراسيّة لا يلبّي التوجّهات التربويّة الحديثة التي نقلت مركز الاهتمام التربويّ من المادّة الدراسيّة إلى المتعلّم , فتعرّض هذا المفهوم التقليديّ للمنهج لجملة من انتقادات التربويين المجدّدين , ومن بينها ما ذكره سرحان الذي يمكن إجمال أبرز انتقاداته بما يأتي :  
" 1- اقتصار وظيفة المدرسة على الاهتمام بالجانب المعرفيّ :
اقتصرت وظيفة المدرسة على الاهتمام بالمعرفة , وأهملت جميع الجوانب النفسيّة والاجتماعيّة والفكريّة بمعناها الشامل , وقد ترتّب على ذلك في كثير من الأحيان أنّ التلاميذ كانوا يدرسون المادّة , ويحفظونها , ولكنّهم يبغضونها في الوقت نفسه ؛ وبذلك فإنّ صلتهم بما كانوا يدرسونه كانت صلة موقوتة , تنتهي بانتهاء الدراسة , وحصولهم على الشهادة ؛ وكانوا يرتدّون إلى الأميّة في مجال دراستهم بعد فترة من الزمن بسبب النسيان من جهة , وعدم القدرة على ملاحقة التطوّرات السريعة في مجال العلم والثقافة من جهة أخرى , كما ترتّب على ذلك أيضاً أنّ المعرفة التي كان التلاميذ يحصّلونها كانت من النوع الهامد الميت الذي لا يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه أو بيئته أو حياته , ولا يعدّل سلوكه , فإذا تذكّرنا أنّ التربية الحقّة إنّما تستهدف تعديل سلوك الإنسان في الاتّجاهات المطلوبة , فإننا نستطيع أن نرى مدى إخفاق التربية التي تسير وفق هذا المفهوم الضيّق للمنهج في تحقيق رسالتها الكبرى , وهي بناء الشخصيّة , وتوجيه السلوك , وبناء أجيال جديدة من البشر يقودون مسيرة الحياة . 2- العزلة بين المدرسة والحياة :
لقد أدّى الأخذ بهذا المفهوم الضيّق للمنهج إلى عزلة كبيرة بين المدرسة والحياة , فالمدرسة غارقة في اهتمامها بتحفيظ ما في الكتب من معلومات قلّما ترتبط بحياة التلاميذ ارتباطاً وثيقاً , والمدرسة لا تعدّ للحياة بجميع ما تتطلّبه من مهارات واتّصالات , وقدرة على تحمّل المسؤوليّات , وحلّ المشكلات , والمشاركة فمجالات التقدّم والإنماء .
4- إهمال الجوانب الأدائيّة والعمليّة والتطبيقيّة :
ركّز المنهج بمفهومه الضيّق على الجوانب النظريّة واللفظيّة , واتّخذ الامتحانات بصورتها التقليديّة وسيلة لتحديد مدى ما اكتسبه التلاميذ من المعرفة , وقد أدّى كلّ ذلك إلى إهمال النواحي العمليّة والتطبيقيّة , واقتصر تحصيل التلاميذ للمعرفة على أدنى مستوياتها وهو مستوى الحفظ والاسترجاع الآليّ , أمّا المستويات العليا من المعرفة , وهي الفهم والتطبيق والممارسة الذكيّة والنقد والابتكار والإبداع , فلم تكن تدخل في نطاق أهداف المدرسة القديمة .
5- تقييد حريّة المعلّم :
لقد أدّى الأخذ بالمفهوم الضيّق للمنهج إلى تقييد حريّة المعلّم , ذلك أنّه لا يستطيع أن يتحرّك إلاّ في مجال محدود , وهو مجال شرح الدروس وتحفيظها وتسميعها ؛ وبذلك أغلقت مجالات الاجتهاد والابتكار أمامه , ذلك أنّ الاجتهاد والابتكار إنّما يتجلّى في أروع صوره عندما تتعدّد الأهداف أمام المعلّم , بحيث يستطيع أن يبتكر الطرائق والأساليب لتوجيه الميول , وتنمية المواهب والاستعدادات , ورعاية القدرات
الابتكاريّة لدى التلاميذ , وتدريبهم على المهارات المنشودة , والإسهام في تقويم شخصيّاتهم , وتوجيه سلوكهم , وتحقيق أقصى ما تبلغه إمكاناتهم " .
وذكر  الخليفة  إضافة إلى الانتقادات السابقة انتقادات أخرى نتبعها إلى ما سبق , منها  :
6- إهمال حاجات المتعلّمين وميولهم :
" أهمل المنهج التقليديّ حاجات المتعلّمين وميولهم , وما بينهم من فروق فرديّة متعدّدة , فما على الطلاّب إلاّ أن يدرسوا المادّة الدراسيّة المفروضة عليهم , ويحفظونها .
7- إغفال دور القدوة الحسنة في توجيه السلوك :
أغفل هذا المنهج دور القدوة الحسنة والقيم التربويّة في توجيه السلوك ؛ إذ يعتقد أنصاره أنّ تزويد المتعلّمين بالمعارف يكفي  وحده لتوجيه سلوكهم بما يتّفق وتلك المعارف , وقد ثبت خطأ هذا الاعتقاد ؛ فالفرد لا يسلك في جميع الحالات وفقاً لعلمه ومعرفته .
8- حصر اختيار محتوى المنهج بالمتخصّصين فحسب :
اقتصر اختيار محتوى المادّة الدراسيّة وتنظيمها في كتب مدرسيّة على المتخصّصين والخبراء , الذين لا يأخذون في حسبانهم وجهة نظر المعلّمين والتلاميذ , ممّا كان له أكبر الأثر في ضعف حماسة المعلّمين للتدريس , وعزوف التلاميذ عن الدروس .
9-استبعاد الأنشطة المدرسيّة :
استبعد المعلّمون – في ظلّ المنهج التقليديّ – معظم الأنشطة المدرسيّة غير الصفّيّة , بل عدّوها مضيعة للوقت , صارفة عن الحفظ الذي يترتّب عليه النجاح في الامتحانات , وهو الهدف الأسمى للتقويم في مفهوم المنهج التقليديّ  " .  
وأضاف الشريفيّ وأحمد جملة من الانتقادات , ولا سيّما تلك التي تتعلّق بالتلميذ والمادّة الدراسيّة , ويمكن إضافتها إلى الانتقادات السابقة , وهي   :
" 10- تعويد التلاميذ السلبيّة وعدم الاعتماد على النفس :
يقوم كلّ معلّم بشرح موضوعات مادّته وتبسيطها , وعلى التلميذ أن يسمع ويستوعب ما يقوله المعلّم , وما تتضمّنه الكتب , ومن ثمّ فدور التلميذ داخل الفصل الإنصات والإصغاء والخضوع التامّ والسلبيّة المطلقة , ومن هنا نشأ التلميذ وهو معتمد على المعلّم والكتاب , وبالتالي بدأ يتعوّد السلبيّة , وعدم الاعتماد على النفس .
11- تضخّم المقرّرات الدراسيّة :
نتيجة للزيادة المستمرّة في المعرفة بشتّى جوانبها, , ونتيجة لاهتمام كلّ متخصّص بالمادّة التي اختصّ بها فقط , فقد اهتمّ مؤلّفو الموادّ الدراسيّة بإدخال الإضافات المستمرّة عليها , حتّى تضخّمت , وأصبحت عبئاً ثقيلاً على المعلّم والتلميذ , فاهتمّ الأوّل بالشرح والتلخيص , واهتمّ الثاني بالحفظ والترديد , وضاعت الأهداف التربويّة المنشودة في زحام المعلومات المتزايدة .  
12- عدم ترابط الموادّ :
أدّى اهتمام كلّ معلّم بالمادّة التي يقوم بتدريسها إلى خلق حاجز قويّ بين الموادّ الدراسيّة , وبالتالي لم يعد بينها ترابط أو تكامل , فإذا سأل التلميذ معلّمه عن معلومة معيّنة , أجاب المعلّم : إنّ إجابة هذا السؤال تخصّ معلّم مادّة أخرى ." .
وفي نهاية حديثنا عن هذه الانتقادات , يمكن أن نصنّفها وفق الجدول الآتي :
عناصر العمليّة التعليميّة النقد الموجّه إلى المنهج التقليديّ
التلميذ - التركيز على تنمية الجانب العقليّ , وإهمال جوانب النمو المختلفة.
- إهمال حاجات التلميذ وميوله ورغباته .
- إهمال مراعاة الفروق الفرديّة بين المتعلّمين .
- إهمال توجيه السلوك , وتكوين المهارات والاتّجاهات الإيجابيّة , وإغفال دور القدوة الحسنة في ذلك.
- تعويد التلميذ السلبيّة , وعدم الاهتمام أو الشعور بالمسؤوليّة.
- نفور التلميذ من الجوّ المدرسيّ , وشعوره بالملل ؛ بسبب عدم جذب اهتمامه داخل الصفّ , وفي باحة المدرسة .
- قطع التلميذ عن مشكلات بيئته .
المعلّم - تقييد حريّة المعلّم , وحرمانه من الإبداع والابتكار .
- التقليل من شأنه , وعد أخذ رأيه فيما يدرّسه .
- تحميل المعلّم جهداً كبيراً بسبب الاعتماد عليه بشكل كلّيّ في الشرح والتسميع والمتابعة والتقويم .
- شعور المعلّم بالقلق وعدم الطمأنينة نظراً لأساليب تقويمه المعتمدة على التفتيش , وتسقّط الأغلاط .
المادّة الدراسيّة - تضخّم المادّة الدراسيّة , وتضخّم المشكلات المترتّبة على ذلك , والتي تقع على كاهل كلّ من التلميذ والمعلّم وولي الأمر .
- الانفصال التامّ بين الموادّ , وعدم التكامل فيما بينها , ناهيك عن عدم التكامل بين أفرع المادّة الواحدة .
- الاهتمام بالجانب النظريّ , وإغفال الجوانب التطبيقيّة للمادّة .
- عدم ارتباط المادّة بالحياة , وبالتالي انخفاض درجة الإقبال على تعلّمها , وسرعة نسيانها بسبب عدم توظيفها في حلّ مشكلات المتعلّم .
أساليب التقويم - التركيز على تقويم المستويات الدنيا من المجال المعرفيّ ( الحفظ والاسترجاع ) .
- الاقتصار على الأسئلة المقاليّة .
- الشعور بالخوف والقلق والرهبة من أجواء الامتحانات.
الجوّ المدرسيّ العامّ - الابتعاد عن العلاقة الإنسانيّة الجاذبة ,ولا سيّما بين المعلّم الذي يسعى إلى إفراغ ما لديه من معلومات بأيّ وسيلة, والتلميذ المكره على تعلّم معلومات لا تلبّي اهتمامه , وشيوع ظواهر سلبيّة في تلك العلاقة , ومنها ظاهرة العقاب الجسديّ .  
- ابتعاد الجوّ المدرسيّ عن كلّ ما يجذب التلميذ ؛ ولذلك ظهور ما يعرّف بالتسرّب المدرسيّ على نطاق واسع , والارتداد إلى الأميّة .
- خلو الحياة المدرسيّة من الأنشطة المنهجيّة , والترويحيّة .
البيئة المحليّة - الفصل التامّ بين المدرسة والبيئة المحليّة .
- عدم تلبية مخرجات التعليم في ظلّ المنهج التقليديّ لحاجات سوق العمل المحليّة .
المنهج بمفهومه الوسع ( الحديث )
الإرهاصات  :
رأينا أنّ المناهج في ظلّ المدرسة التقليديّة ركّزت على المادّة التعليميّة , وأهملت المتعلّم , ولم تعر بالاً   لميوله ورغباته وغرائزه واهتماماته , كما أنّه لم تفسح المجال أمامه لاكتساب القيم المرغوب فيها , وصقل المهارات التي يحتاج إليها لتلبية احتياجاته , وحلّ مشكلاته , ولم تعمل على تفتّق مواهبه المختلفة , وطاقاته الكامنة ورعايتها في مختلف الجوانب , ولا سيّما الفنيّة منها , والرياضيّة , والأدبيّة ؛ وذلك من خلال وقوفها في وجه الأنشطة المدرسيّة , وعدّها نوعاً من الفوضى ومضيعة الوقت . أو أنّها ثانويّة في أحسن الأحوال .
لقد حدث التطوّر التربويّ بفعل الأفكار التجديديّة التي طرحها التربويّون المتنوّرون , فقد نادى ( روسو )  بضرورة تفاعل الطفل مع الطبيعة , وعدّها أفضل من معلّم ,  فهي التي تكسبه المعرفة , وهي التي تجعله قادراً على استخدام عقله لمواجهة مشكلاته  وحلّها .
أمّا المربّي ( جون ديويّ )  قد أشار في كتابه [ المدرسة والمجتمع ] إلى سلبيّات الحياة المدرسيّة في ظلّ المنهج القديم والتربية التقليديّة  , ولخّصها بأنّه وضعت كلاًّ من المعلّم المادّة في مركز جاذبيّة العمليّة التربويّة , بينما بقس المتعلّم خارج دائرة هذه  الجاذبيّة .
لقد نقلت التربية الحديثة الطفل من هامش العمليّة التربويّة إلى مركزها , فأحدثت بذلك ثورة تربويّة أدّت إلى تطوير العمليّة التربويّة برمّتها , تماماً كما أحدث كوبرنيكوس ثورة علميّة بنقله مركز الجاذبيّة من الأرض إلى الشمس. أسهب في ذلك في وصف واقع المدرسة القديمة قائلاً:
وتوالت الدعوات من قبل العلماء والمفكرين ؛ لإعادة النظر في المناهج الدراسية والتربوية من أجل تحويل المدرسة إلى صورة مصغرة من المجتمع مع شيء من التهذيب , وبما يتناسب والأهداف التربويّة الموضوعة ؛ لكي يمارس التلاميذ حياتهم الفعلية والطبيعيّة فيها ، ويستنبطوا الحقائق , ويتوصّلوا إلى التعميمات بأنفسهم ، ويكتسبوا القيم والاتّجاهات والمهارات بتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة والبيئة المحليّة ؛ وليصبح الكتاب والمعّلم مصدرين من مصادر التعلّم , وليسا المصدرين الوحيدين .
لقد أصبحت المدرسة حياة قائمة بذاتها في جدّها ولعبها وتفاعلاتها , وعاش المتعلّم طفولته من أجل مستقبله , وأصبحت الوظيفة التقليديّة للمدرسة بأنّها إعداد للحياة متخلّفة وقاصرة .
وكان لابدّ للتربية من مفهوم جديد للمنهج المدرسيّ ينسجم والتوجّهات التربويّة الحديثة , ومن هنا كانت ولادة المفهوم الحديث الواسع .  
المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
وردت في كتب المناهج تعريفات عديدة للمنهج بمفهومه الحديث , وجاءت هذه التعريفات متقاربة إلى حدّ بعيد , بل نستطيع القول إنّ بعضها كان متطابقاً , فهو "مجموعة الخبرات التربويّة , والاجتماعيّة , والثقافيّة , والرياضيّة , والفنّيّة التي تخطّطها المدرسة , وتهيّئها لتلاميذها ؛ ليقوموا بتعلّمها داخل المدرسة أو خارجها بهدف إكسابهم أنماطاً من السلوك أو تعديل أو تغيير أنماط أخرى من السلوك نحو الاتّجاه المرغوب فيه , ومن خلال ممارستهم لجميع الأنشطة اللازمة والمصاحبة لتعلّم تلك الخبرات بما يساعدهم في إتمام نموّهم "   .
وهو " مجموع الخبرات التربويّة ( الثقافيّة والرياضيّة والاجتماعيّة والفنّيّة التي تهيئها المدرسة لتلاميذها داخل المدرسة وخارجها بقصد مساعدتهم على النموّ الشامل في جميع النواحي الجسميّة  والعقليّة والاجتماعيّة والانفعاليّة , وتعديل سلوكهم طبقاً لأهدافها التربويّة "   .
وهو " كلّ الخبرات , أو الأنشطة ,أو الممارسات المخططة والهادفة التي توفرها المدرسة لمساعدة المتعلّمين على تحقيق النتاجات التعليميّة المنشودة بأفضل ما تستطيعه قدراتهم سواء كان ذلك داخل قاعة الدرس أو خارجها."  
وذكر الخليفة بأنّ المنهج هو " مجموعة من الخبرات والأنشطة التي تقدّمها المدرسة للتلاميذ داخلها وخارجها , بقصد مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل , الذي يؤدّي إلى تعديل سلوكهم , ويضمن تفاعلهم مع بيئتهم ومجتمعهم , ويجعلهم يبتكرون حلولاً مناسبة لما يوجههم من مشكلات "  .
وبذلك فإنّ المفهوم الحديث للمنهج يتّصف بالخصائص الآتية :
1. يشتمل المنهج الحديث على جميع الخبرات والأنشطة الصفيّة وغير الصفيّة التي تقدّمها المدرسة , وتشرف على تنظيمها ؛ من أجل تحقيق أهداف محدّدة تشتمل تنمية المتعلّم من مختلف النواحي , وإكسابه المهارات الضروريّة لمجابهة تحدّيات الحياة , وزرع القيم والاتّجاهات الإيجابيّة نحو ذاته , ونحو الآخرين , ونحو العالم برمّته , والعمل على تعديل سلوكه بما يتوافق والمعرف والمهارات والقيم المكتسبة .
2. العمل التشاركيّ في إعداده , فمن الواضح أنّ تلك الخبرات المتنوّعة التي يشتمل عليها المنهج الحديث لا تستطيع جهة واحدة بعينها إعدادها واختيارها ؛ ولذلك يشترك في وضع تلك الخبرات عدد كبير من الأكاديميين والتربويين والمعلّمين من مختلف التخصّصات , ورجال الفكر والسياسة, وأرباب العمل والاقتصاد , إضافة إلى عينة من الفئة التي يستهدفها المنهج , وبعض أولياء الأمور من ذوي الثقافات المختلفة والمتفاوتة , وبذلك فإنّ المنهج الحديث يعدّ بأسلوب تشاركيّ تعاونيّ من الجهات التي يعنيها الأمر كافّة , وبشكل يحقّق التوازن والتكامل بين الخبرات .
3. يستند المنهج الحديث إلى رؤية واضحة تراعي الفلسفة التربويّة السائدة , وما أكّدته العلوم النفسيّة , ونظريّات التعلّم ؛ وما يناسب منها لكلّ فئة عمريّة , وما أثبتته الدراسات الرصينة في مجالي التعلّم والتعليم ؛ لتحقيق أفضل نموّ متكامل للمتعلّم  , وذلك من خلال تنويع الطرائق والأساليب التدريسيّة والتقويميّة , ومراعاة الفروق الفرديّة , وتوفير بيئة تعليميّة تعلّميّة آمنة وجاذبة  .
4. يسعى المنهج الحديث إلى توظيف المبتكرات العلميّة لتحقيق أهدافه , ولا سيّما تلك المبتكرات المتعلّقة بتكنولوجيا التعليم , ومصادر التعلّم الحديثة , واستغلال شبكة الاتّصالات الدوليّة للحصول على أحدث ما يستجدّ في مجال العلوم التربويّة والنفسيّة والأكاديميّة .
5. يعمل المنهج الحديث على مراعاة المجتمع وقيمه, وتعزيز قيمه وثقافته , وتلبية حاجاته , من خلال ربط مخرجات التعليم بمتطلّبات سوق العمل , ولذلك تنفتح المدرسة على البيئة لتعرّف ما يتوافر فيها من مصادر إضافيّة للتعلّم , وما تواجهه من تحدّيات ومشكلات , وما تزخر به من قيم وتوجّهات , فتفيد المدرسة من البيئة , وفي الوقت نفسه تعمل على إمدادها بمخرجات بشريّة يسهمون في تطويرها , وحلّ مشكلاتها , وإحداث التغيير الإيجابيّ فيها , وهذا ما يؤكّد الصفة الاجتماعيّة للمنهج الحديث .
6. يؤكّد المنهج الحديث ضرورة العمل الجماعيّ التعاونيّ المشترك , ويقدّر الإبداع الفرديّ ؛ ويعمل على إكساب المتعلّم مهارات جديدة تتعلّق بالتعلّم الجماعيّ , والتعلّم ضمن الفريق , والتعلّم الذاتيّ  , كما يعمل على إكساب المتعلّم قيم قبول الآخر واحترام رأيه , وتقبّل النقد , والعمل الشوريّ الديمقراطيّ , والاعتماد على الذات  , وتحمّل المسؤوليّة , واحترام العمل اليدويّ .
7. يعمل المنهج الحديث على ربط ما هو نظريّ بما هو تطبيقيّ , من خلال النشاط المدرسيّ الهادف ؛ وذلك من أجل تعزيز الخبرات , وتحويلها إلى خبرات مربّية .
8. يهتمّ المنهج الحديث بمختلف مستويات المجال المعرفيّ , ويركّز على المستويات العليا للمعرفة , ومهارات التفكير العلميّ والناقد والإبداعيّ ؛ للانتقال بالمتعلّم من الاهتمام بواقع المعرفة وبنيتها إلى الاهتمام بطريقة البحث في هذه البنية من أجل تطويرها .
العوامل التي أسهمت في تطوّر مفهوم المنهج :
1.   التغيّرات الثقافيّة والاجتماعيّة الناتجة عن التطوّر العلميّ والتكنولوجيّ, وما ترتّب عليها من تغيّرات في القيم والمفاهيم والاتّجاهات والنظرة إلى الحياة والإنسان .
2.     التغير الذي طرأ على أهداف التربية نتيجة التغيّرات السابقة , وما استتبع ذلك من تغيّر النظرة إلى وظيفة المدرسة, وضرورة مواكبتها التطوّرات التي حصلت في ميادين العلوم المختلفة , ولا سيّما ميدان علم النفس والعلوم التربويّة والاجتماعيّة , وتلبيتها حاجات المجتمع إلى القوى البشريّة القادرة على النهوض به , والوفاء بأهدافه .
3.     نتائج البحوث والدراسات التربويّة التي سلّطت الضوء على نواحي القصور في المنهج التقليديّ , وأوصت بتطويره والأخذ بالمفهوم الواسع للمنهج .
4.     نتائج البحوث والدراسات التي تناولت المتعلّم , وخصائص نموّه , ومتطلّبات كلّ مرحلة من مراحل هذا النموّ , وحاجاته وميوله , وسيكولوجيّة تعلّمه , وطبيعة عمليّة التعلّم ذاتها , والنظريّات التي تناولتها , كلّ ذلك أدّى إلى إعادة النظر بأهداف المنهج الدراسيّ , ومكوّناته الأخرى محتوى , وطرائق , ووسائل , وأنشطة  , وأساليب تقويم , فلم يعد المنهج التقليدي الذي يهدف إلى تنمية الجانب المعرفيّ قادراً على تنمية المتعلّم تنمية شاملة متكاملة , تلك التنمية التي دعت إليها التربية الحديثة , وأصبح من الضروريّ إعادة النظر بالمنهج المدرسيّ  , والانتقال به من المفهوم التقليديّ الضيّق إلى مفهوم حديث أرحب وأوسع وأشمل .
5. طبيعة المنهج التربويّ نفسه, فهو انعكاس للواقع الفكريّ والاجتماعيّ السائد في البيئة والمجتمع ؛ وبالتالي فمن الطبيعيّ أن يأخذ المنهج التربويّ التغيّرات الحاصلة في الحسبان , ويسعى إلى تحقيق الأهداف المستحدثة في المجتمع نتيجة التحوّلات الثقافيّة والفكريّة , وليس المنهج تابعاً للمجتمع فحسب , بل هو عامل تغيير وتطوير مستمرّ له , وبالتالي فهو المحرّض والمهيّئ لعمليّة التغيير الاجتماعيّ ؛ بحيث يتيح للمجتمع توظيف المستجدّات العالميّة لصالحه , ولا سيّما في عصر أصبح العالم فيه قرية صغيرة ,  فالعلاقة بين المنهج والمجتمع علاقة تفاعليّة متبادلة ومستمرّة .
مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع :
لم يقتصر المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) على المقرّرات الدراسيّة فحسب , كما كان المنهج التقليديّ الضيّق , بل اشتمل على كلّ ما له علاقة بالعمليّة التعليميّة التعلّميّة , فهو يشتمل على مكوّنات عديدة هي : الأهداف , المقرّر ,  المحتوى , الكتب والمراجع , النشاطات , طرائق التدريس وأساليبه , الوسائل والموادّ التعليميّة , أساليب التقويم , المرافق المدرسيّة , وسنتطرّق إلى هذه المكوّنات عند حديثنا عن مكوّنات المنهج , والشكل الآتي يوضّح مكوّنات المنهج بمفهومه الواسع ( الحديث ) :
المنهج بوصفه منظومة أو نظاماً System :
لم يعرف المنهج على أنّه علم ومجال للدراسة إلاّ في بداية القرن الماضي ( القرن العشرين ) " حيث تتابعت النظريّات والاجتهادات التربويّة في سبيل تطوير المنهج , وإيجاد نظام له , ونتيجة لتلك الجهود التربويّة برز لدينا نظام يكاد يكون هو السائد في مجتمع العصر الحاضر , ويتمثّل هذا النظام للمنهج في مدخلات وعمليّات ومخرجات وتغذية راجعة "  
وقد انتقل مفهوم النظام من العلوم البيولوجيّة التي اهتمّت بجسم الكائن الحيّ , وما يتضمّنه من أجهزة أو أنظمة مفردها نظام  System ( النظام الهضميّ , النظام الدوريّ , النظام التنفّسيّ , النظام الإخراجيّ , النظام العصبيّ  إلخ ....) إلى العلوم التربويّة , " والأساس  في مصطلح النظام أنّه يتكوّن من مجموعة من الأجزاء أو المكوّنات التي ترتبط فيما بينها ارتباطاً عضويّاً وثيقاً بحيث يؤثّر كلّ منها في غيره , ويتأثّر به  "   .
ومصلح النظام في المنهج يعني أنّه يتشكّل من مجموعة من العناصر أو المكوّنات المترابطة المتشابكة المتفاعلة فيما بينها ( الأهداف , المحتوى , الطرائق , الوسائل , الأنشطة , أساليب التقويم إلخ .... ) , بحيث يؤثّر  كلّ مكوّن في بقيّة المكوّنات ويتأثّر بها .
إن الأخذ بالمدخل المنظوميّ في علم المنهج  لا يقتصر على حتميّة الترابط والتكامل والتشابك بين مكوّنات منظومة المنهج , والتي يشكّل كلّ منها نظاماً أصغر ضمن منظومة المنهج , وإنّما يتجاوز ذلك إلى تبادل العلاقة والتأثّر والتأثير بين منظومة المنهج ككلّ , والمنظومات الأخرى الأكبر ذات الصلة , فالمنهج كنظام هو مكوّن واحد من نظام آخر أكبر  هو التربية , والتربية بدورها مكوّن من نظام أكبر هو المجتمع , وهكذا ...
وبذلك يتّضح أنّ المنظومة دائمة التفاعل والتأثّر والتأثير بين المنظومات الأصغر التي تنضوي في بنيتها , والمنظومات الأكبر التي هي جزء من شبكتها وبنيتها .
ويوضّح الشكل الآتي موقع منظومة المنهج من المنظومات الأخرى الأكبر :
--------------------------------------------------
ولا تكمن أهميّة المنظومة من المكوّنات والعناصر التي تتشكّل منها , وإنّما تكمن أهميّتها في مدى تفاعل هذه المكوّنات فيما بينها للوصول إلى نتاجات ذات معايير حدّدت سلفاً في الأهداف التي يتوخّى تحقيقها من تفاعل هذه المكوّنات , ومن هنا يمكن تشبيه المنظومة بمعمل أقيم لإنتاج مادّة معيّنة , ذات مواصفات ومعايير محدّدة , ثمّ زوّد هذا المعمل بالموادّ والخامات الأوليّة لإنتاج هذه المادّة , ووفّرت الشروط اللازمة لتفاعل هذه الموادّ , ونتيجة لتفاعل هذه الموادّ فيما بينها داخل المعمل , يتمّ الوصول إلى الإنتاج المحدّد , فإذا كانت المادّة المنتجة لا تفي بالمواصفات والمعايير المحدّدة , كان لا بدّ من إعادة النظر بهذه المعايير أو إعادة النظر بالموادّ الأوليّة , أو إعادة النظر بالشروط التي حدثت في ظلّها التفاعلات بين الموادّ الأوليّة داخل المعمل , وهذا ما يعرف بالتغذية الراجعة , وبذلك يمكن القول بأنّ المنهج كمنظومة يتكوّن من المكوّنات الآتية :
1- المعلّم والتلميذ والأهداف والمحتوى والطرائق والوسائل والأنشطة  وأساليب التقويم وتسمّى ( مدخلات المنهج ) .
2- التفاعلات التي تجري ضمن الشروط التي وفّرتها  المدرسة بين تلك المكوّنات , ولا سيما بين المعلّم وما لديه من معلومات وما يستخدمه من طرائق وأساليب ووسائل وعلاقات إنسانيّة , وما يوفّره من أنشطة , وما يستخدمه من أساليب تقويم , وبين التلميذ , وما يقوم به من نشاط , وتفاعل مع المعلّم وزملائه , ومع مصادر التعلّم  المتوافرة في المدرسة ( كتب , مراجع , نشاط تعلّميّ تعاونيّ , وتعلّم ذاتي , علاقات صفيّة ومدرسيّة وغير ذلك ) , وهذا ما يسمّى بـ ( العمليّات ) .
3- المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم التي اكتسبها التلميذ نتيجة مروره بالتفاعلات السابق , وهذا ما يسمّى بـ ( المخرجات ) .
4- التأكّد من مدى اكتساب التلميذ المعلومات والمهارات والاتّجاهات والقيم وفقاً للأهداف الموضوعة , فإذا تحقّقت الأهداف كما هو مطلوب , تمّ تعزيز المدخلات والعمليّات , أ مّا إذا لم تتحقّق الأهداف كما هو مطلوب , فلا بدّ من العودة إلى المدخلات أو العمليّات , وإعادة النظر فيها , أو في بعضها ؛ لتعديلها , وتحسينها ؛ من أجل أن يتمّ الوصول إلى المخرجات بالشكل المطلوب , وهذا ما يسمّى بـ ( التغذية الراجعة ) .
ويوضّح الشكل الآتي مكوّنات المنهج على أنّه نظام :
المدخلات                       العمليّات                                   المخرجات
-الأهداف التربويّة
-المجتمع وقيمه وعاداته .
-المتعلّمون وحاجاتهم وخبراتهم .
- المعلّمون والمشرفون وما لديهم من خبرات ومهارات .
-الكتب والمراجع والموادّ التعليميّة .
-المرافق والإمكانات المادّيّة في المدرسة والبيئة . - تدريب كلّ من المشرف والمدير والمعلّم في تنفيذ المنهج .
- فاعليّة كلّ من المعلّم والمتعلّم ووليّ الآمر في تنفيذ المنهج .
-متابعة تجريب المنهج وتطويره على مختلف المستويات .
- الإفادة من البيئة كأحد مصادر التعلّم  .
تحقيق أهداف المنهج من خلال التنمية الشاملة المتكاملة للمتعلّمين التي تتمثّل باكتسابهم الخبرات , وتعديل السلوك نحو ما هو مرغوب فيه .
التغذية الراجعة
إنّ فعّاليّة منظومة المنهج تقاس بدرجة التطابق بين مخرجاتها والأهداف التي حدّدت سلفاً , والتي بنيت المنظومة من أجلها , كما تتحدّد من مرونتها , بحيث تستطيع تطوير مكوّناتها لتواكب ما يستجدّ في مختلف المؤثّرات التي تؤثّر في المنهج , سواء أكانت هذه المؤثّرات داخليّة من بنية المنهج ذاته , أم خارجيّة من المنظومات الأخرى الأكبر.
إنّ مفهوم المنهج بوصفه نظاماً يقتضي منّا النظر إليه نظرة شاملة لا تغفل المؤثّرات الداخليّة والخارجيّة التي لا تنفكّ تؤثّر في المنهج , ومكوّناته , وتترك بصماتها البيّنة فيه , وبذلك فإنها دائمة التغيّر والتطوّر ؛ لاتصافها بالحيويّة والديناميّة , فهي انعكاس لمنظومة الحياة ذاتها , والحياة منظومة دائمة التغيّر والتطوّر .                
1- المنهج الظاهر والمنهج المستتر أو الخفي :
يتردّد في علم المناهج ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ والمنهج الظاهر أو الرسميّ  , فما المقصود بكلّ منهما , وللإجابة عن هذا السؤال نرى أنّ التسمية تدلّ على المسمّى , فالمنهج الظاهر  أو الرسميّ هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , وبالتالي فإنّ معظم ما يكتسبه المتعلّمون يكون نتيجة لتفاعلهم المنظّم والمخطّط مع مكوّنات ذلك المنهج , وهو ( المنهج الظاهر ) , إلاّ أنّنا نكتشف أنّ ثمّة خبرات أخرى اكتسبها المتعلّمون لم يتضمّنها المنهج الظاهر أو الرسميّ , ولم يخطّط لاكتسابها , فمن أين اكتسب المتعلّمون هذه الخبرات ؟
إنّ تفاعل التلاميذ فيما بينهم داخل الفصل وخارجه , وتفاعلهم مع البيئة المدرسيّة بكل ّمكوّناتها ومرافقها أكسبهم خبرات جديدة لم تقصد المدرسة إكسابهم إيّاها , وكأنّ تعلّماً حدث خارج سيطرة المدرسة , هذا التعلّم غير المقصود هو المسؤول عن الخبرات المكتسبة خارج نطاق المنهج الرسميّ هو ما يعرف بالمنهج المستتر أو الخفيّ .
- المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ :
المنهج الرسميّ كما وضّحناه في الفقرة السابقة هو المنهج الذي صمّم بشكل مدروس ومقصود لتحقيق أهداف معيّنة معرفيّة ومهاريّة ووجدانيّة , أمّا المنهج الواقعيّ فهو الصورة الحقيقيّة للمنهج عند تطبيقه على أرض الواقع , فقد يكون هناك اختلاف واضح بين ما ورد في المنهج الرسميّ وما يطبّق فعلاً على أرض الواقع , وقد يظهر التقارب والانسجام , بل قد يبدو ما يطبّق على أرض الواقع هو المنهج الرسميّ كما وضع , بكلّ مكوّناته , ويعود السبب في التفاوت بين المنهجين الواقعيّ والرسميّ إلى مستوى فهم كلّ فرد في الميدان التربويّ مضمون المنهج الرسميّ وأهدافه , ودرجة حماسته أو تأييده ما تضمّنه المنهج الرسميّ , ولكي تزول الهوّة بين المنهجين لابدّ من استمرار التواصل بين مخطّطي المناهج ومصمميها والقائمين على تنفيذها في الميدان , وقد ذكر  جلاتهورن نقلااً عن مولين دبارك عدّة أمور يمكن أن ترفع من مستوى تطبيق المنهج بحيث تقلّل الهوّة الفاصلة بين النظريّة والتطبيق , أي بين المنهج الرسميّ والمنهج الواقعيّ , وهي :
1- توفير الموادّ التعليميّة المساعدة للمنهج الجديد .
2- تشجيع مديري المدارس على تحمّل مسؤوليّة تطبيق المنهج الجديد في مدارسهم , وإعطاؤهم التدريب الضروريّ لذلك .
3- تبنّي مديري المدارس المنهج الجديد , واقتناعهم به .
4- تهيئة الفرص للمعلّمين لتبادل الرأي حول المنهج الجديد .
5- مساهمة المعلّمين في المنهج الجديد , تدريب المعلّمين على المنهج الجديد . تأييد المجتمع للمنهج الجديد . "  .
- تخطيط المنهج :
تناول التربويون مصطلح تخطيط المنهج بشكل مسهب , فهو عند بعضهم : " عبارة عن تصوّر لما ينبغي أن يكون عليه المنهج , من حيث التصميم ( تحديد الأهداف , واختيار المحتوى وتنظيمه ) , وكذلك الصورة التي يجب أن يكون عليها تنفيذ المنهج 0 جميع الممارسات الخاصّة بمعالجته في الواقع , أو الميدان التربويّ ) , بالإضافة إلى عمليّة التقويم التي يجب أن يراعيها المنهج , من حيث تحديد أساليب التقويم التي توضّح العائد التعليميّ / التعلّميّ لدى الطلاّب ؛ للإستفادة من ذلك في تحسين المنهج وتطويره "
وعرّفه السامرّائيّ وزميلاه بأنّه : " جميع العمليّات اللازمة للتخطيط نفسه , ابتداء من تلك الفكرة التي تخطر ببال الإنسان ليخطّط , إلى أن يصل إلى كتابة الوثيقة أي ( المنهج ) ."   .
فالمقصود بتخطيط المنهج هو كلّ الخطوات والعمليّات التي يقوم به خبراء المناهج لوضع منهج يتّصف بالمعايير  السائدة المعتمدة للمنهج في مجتمع معيّن , وفي زمن معيّن , وتتشكّل هذه العمليّات والخطوات من :
- دراسة الواقع , وتحليله .
- صوغ الأهداف العامّة للمنهج .
- اختيار الموضوعات العامّة الملبّية للأهداف .
- ترجمة الموضوعات إلى خبرات تفصيليّة تتّسم اختيار بالدقّة والشمول, وتنظيمها وتنسيقها بشكل يحقّق الربط والتوازن والتتابع .
- اختيار الأساليب الوسائل والنشاطات وأساليب التقويم المناسبة لتلك الخبرات .
- تجريب المنهج , وجمع الملاحظات الميدانيّة حول المنهج المجرّب .
- إعادة النظر بمكوّنات المنهج وفق الملاحظات الميدانيّة في مدارس التجريب .
- تعميم المنهج , ومتابعة تقويمه وتطويره .
وبالتالي فإنّ عمليّة تخطيط المنهج عمليّة شاملة يتضمّن معناها كلّ ما يتعلّق بهندسة المنهج , وبنائه , وتنظيمه , وتطويره , وتقويمه .  
- تطوير المنهج (Curriculum Development : هي العمليّة التي يتمّ عن طريقها تحديد الكيفيّة التي سيتمّ بها تشييد المنهج والتي تعتمد على الجوانب التالية :
أ ـ طبيعة المجتمع . ب ـ المتعلّم .ج ـ المعرفة . د ـ الأهداف ؛
ولذا يلزم أن يكون هناك تكامل بين البناء والتطوير، ولا يمكن إغفال هذا التكامل , فبناء المنهج عملية تتركّز على المنهج نفسه , بينما تتوجّه عملية تطوير المنهج نحو كيفية تشييد المنهج , فعمليات البناء والتطوير ليست عمليات تتابعيّة من الناحية الزمنية , بل تتمّ على التوازي فيما بينها.
- تحسين المنهج Curriculum Improvement
بعد أن يتمّ بناء المنهج وتطويره تأتي مرحلة التطبيق والتجريب التي تواكبها – حتّى النهاية - عمليّة التقويم , حيث تظهر من خلالها نقاط قوّة المنهج , ونقاط ضعفه , وهنا تبدأ عمليّة تعزيز نقاط القوّة , وتجاوز نقاط الضعف , وهذه العمليّة هي عمليّة تحسين ، وبذلك نحصل على المردود الذي يستفاد منها في إعادة النظر في علميات التشييد والتطوير وفي عمليات المراجعة والتحسين ، ، ثمّ يطبّق ما يتمّ التوصل إليه على أساس تجريبيّ ، وتستخدم المعلومات التي يتمّ الحصول عليها نتيجة هذا التجريب؛ بهدف المزيد من البناء والتطوير وتعديل أساليب التحسين والتطبيق .
- هندسة المنهاج Curriculum engineering
هذا المصطلح حديث نسبيّاً في ميدان المناهج بالمقارنة بالمصطلحات السابقة , وعادة ما يرتبط
هذا المصطلح بعمليّة بناء المنهج على أنّه نظام , حيث يعرّف بوشامب هندسة المنهج بأنّها كلّ العمليّات اللازمة لجعل المنهج كنظام يؤدّي وظيفته في المدرسة  .[/quote]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

للمشاركة انت بحاجه الى تسجيل الدخول او التسجيل

يجب ان تعرف نفسك بتسجيل الدخول او بالاشتراك معنا للمشاركة

التسجيل

انضم الينا لن يستغرق منك الا ثوانى معدودة!


أنشئ حساب جديد

تسجيل الدخول

ليس لديك عضويه ؟ بضع ثوانى فقط لتسجيل حساب


تسجيل الدخول

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى